ألمانيا: الانتخابات البرلمانية الاتحادية 2017

img

د. أمير حمد

 

ما أن هدأت عاصفة خروج انجلترا من الرابطة الأوروبية وغلق ترامب لأمريكا على نفسها وفرض شروطه على الرابطة الأوروبية للدفاع عنها ضد روسيا، وتوجه الأنظار إلى المخاوف التي ستجرها الأحزاب المتطرفة كاليمين الفرنسي وخروج السياسة المجرية والبولندية عن سياسة الرابطة الأوروبية فيما يخص تقليص سلطة القانون لصالح السياسة وعدم الرغبة في احتواء اللاجئين، إلى جانب هذا كله تمركزت الأنظار بقوة إلى الانتخابات البرلمانية الألمانية وتوقع فوز ميركل، التي أصبحت بمثابة الرمز والدور الريادي لألمانيا القوية اقتصاديا وللرابطة الأوروبية التي لم تزل تواجه التصدع والتشبث بالقُطرية.

اختلفت الانتخابات البرلمانية الفرنسية عن نظيرتها الألمانية بأن الأولى منهما حددت لانضمام فرنسا للرابطة الأوروبية على يد ماكرون أو خارجة عنها بزعامة  لوبان اليمينية المتطرفة. أما ألمانيا فراغبة في البقاء بالرابطة الأوروبية بزعامة ميركل أو شولتس المتحدي والمنافس لميركل، بالرغم من تعدد وتفاوت محاور وبرامج الانتخابات إلا أن الحزبين الحاكمين الكبيرين cdu المسيحي الديمقراطي و spd الاشتراكي الديمقراطي يتفقان في أكثر وأهم قضايا ألمانيا، سوق العمل، معاشات التقاعد، التعليم، دعم الأسرة، الاقتصاد والبيئة وقضايا اللاجئين. وطرأت في الوقت الراهن قضية تزوير شركات السيارات الكبرى لتصفية المحركات الخاصة بتقليص نسبة ثاني أكسيد الكربون.

انبرى الحزب الاشتراكي ليبدأ معركته الانتخابية إذ طالب بإلزام شركات السيارات بتصفية ثاني أكسيد الكربون والتحول من استخدام الديزل للحفاظ على البيئة، كما انتقد بشدة وزير المواصلات من حزب CSU الحليف في الحكم للاهتمام بضريبة الخط السريع Pkw- Maut لصالح الألمان وليس مواطني الرابطة الأوروبية، مما حرك النمسا للطعن في هذه الضريبة التي لا تعود على الرابطة الأوروبية بأي خير اللهم إلا ترميم وتوسيع طرقات ألمانيا.

من المعلوم بأن الحزب الاشتراكي يدعو إلى استخدام الفحم الحجري وليس التسرع باستخدام الطاقة البديلة لحماية البيئة. يقول غابريل نائب رئيس الحزب الاشتراكي ووزير الخارجية بأن حزبه راغب في حماية البيئة، إلا أنه لا مفر في الوقت الراهن من استخلاص الفحم الحجري لتوليد الطاقة وبالتالي تخفيض أسعار الكهرباء والتدفئة للمواطنين. ومن جانب آخر يشغل محور الرعاية والدعم الاجتماعي معظم المواطنين علما بأن الدعم الاجتماعي قد بلغ 900 مليار يورو ومن المتوقع أن يصل إلى 1200مليار يورو.

يرى معظم المواطنين الألمان بأن حزب cdu بزعامة ميركل قد حافظ على الانتعاش الاقتصادي، إلا أن اهتمامه بالطبقات الفقيرة وتعليم أبنائهم غير كاف وبالتالي يرون في برامج الحزب الاشتراكي بقيادة شولتس بديلا وحلا أسرع ومقبول لتبني متطلباتهم، زيادة الدعم الاجتماعي وتأمين وتوسيع المساكن الاجتماعية. وفي دراسة ميدانية لأكثر من مركز إحصائيات ألماني حول قضايا اللاجئين نجد أن معظم الألمان قلقون ومتضايقون من توسيع واستقطاب اللاجئين غير المؤهلين والإرهابيين. ففي دراسة جديرة بالاهتمام اشتد كره الأجانب من المهاجرون الروس القادمون من منتصف التسعينيات إلى ألمانيا. يرى هؤلاء الروس بأن اللاجئين في الوقت الراهن لا يقدمون نفعا لألمانيا بل أضرارا مادية وينشرون العنف والإرهاب ويهددون البنية الاجتماعية والدينية معا. يقول متحدث حزب البديل afd بأن هذه الشريحة 4 مليون روسي تواكب وترحب ببرامج هذا الحزب لاسيما في عدم مقدرة هؤلاء اللاجئين على الاندماج وإجادة اللغة وكما جدرت الإشارة سابقا فأن الحزبين الكبيرين الحاكمين  cduو spd متشابهان في برامجهما الانتخابية لاسيما في قضايا العمل والحد الأدنى للأجور ورفع وتحديد نسبة المعاش وكذلك قضايا الصحة وضمان أمن المواطنين وتوسيع القطاع السكني الاجتماعي، ما لا يقل عن مليون مبنى ثلثها خاص بالسكنات الاجتماعية. وترى ميركل ضرورة الالتزام بالتقشف وخفض الأجور فيما يرى الحزب الاشتراكي ضرورة زيادة ضرائب الأثرياء وفتح ميزانية أكبر لدعم البحوث ومعاونة الأسر ومحاربة الفقر والاهتمام التعليم.

 

حول الأحزاب الأخرى:

يطل حزب الخضر dei Grüne واليسار  die Linkeوالحزب الليبراليfdp  أحزابا وسطية مهمة لتسيير وإكمال نسبة نجاح الحزبين الكبيرينspd  و cdu ، مثالنا على ذلك حل التحالف بين حزب spd الاشتراكي مع الخضر في ولايات عدة.

قدم حزب الخضر برنامجه الانتخابي لكي يكون القوة الثالثة في البرلمان بعد الحزبين الكبيرين. برنامج يدافع عن الأقليات وحقوق الإنسان والمثليين والاهتمام بالأطفال وفوق كل شيء الدفاع والحفاظ على البيئة وفي خط واحد اتفق ولأول مرة حزب الخضر مع حزب CSU المسيحي الاجتماعي بضرورة فرض ضرائب على السيارات المستخدمة للديزل ومطالبة شركات السيارات، اثر قمة السيارات السابق ذكرها بسحب السيارات المتحركة بوقود الديزل لتلويثه للبيئة، رغم اقدام شركات السيارات لاسيما أودي وفولكس فاجن على تعديل مُصفي الوقود بتخفيض نسبة ثاني أكسيد الكربون من 60 إلى 25 %، هذا كما تقدم حزب الخضر ببرنامج إنساني هادف لإنقاذ اللاجئين في البحر المتوسط ودمجهم في ألمانيا وعدم تسفير الكثير منهم لاسيما اللاجئين الأفغان لاشتعال الحرب بعد في أفغانستان. هذا هو الخط المعارض تماما لحزب csu الذي اقترح تحديد نسبة استقطاب للاجئين بأن لا يتجاوز 200 ألف لاجئ في العام، والإسراع في البت في طلباتهم ليرحل المرفوضين منهم توا لتأمين أمن البلاد ضد الإرهابيين الفوضويين والطامعين في الخزانة الاجتماعية .

هنا يصل حزب اليسار كناقد ورافض لسياسة حزب csu و cdu  باعتبارها سياسة لا إنسانية تقوم على أرباح بيع السلاح ودعم الحروب والحكام الطغاة الفاسدين مما أدى إلى تهجير وتشريد المواطنين اللاجئين. دعا حزب اليسار إلى دعم أفريقيا مبكرا لمكافحة بطالة الشباب والفقر وليس الاهتمام بمواردها فقط كما تفعل معظم دول الرابطة الأوروبية. إلى جانب هذه السياسة الخارجية الموجهة قدم حزب اليسار برنامجه الانتخابي المهتم برفع إعانة البطالة إلى 1200 يورو لدعم الفقراء وتوسيع القطاع السكني لاحتواء الأسر وذوي الدخل القليل، هذا إلى جانب مكافحة النازية والوقوف مع اللاجئين.

أما الحزب الثالث الأكثر أهمية لتحالف حزب cdu بزعامة ميركل فهو الحزب الليبرالي fdp الذي خسر بفداحة الانتخابات البرلمانية السابقة وتم خروجه من البرلمان الاتحادي. يقول متحدث الحزب بأن الحزب الليبرالي تعلم من أخطاء الماضي بألا يدخل أو يوعد المواطنين بتحالفه مع حزب ما أيا كان فالأهم هو برنامجه الانتخابي : تخفيض  الضرائب ودعم وتطوير التعليم وعدم ارهاق الشركات وأرباب العمل الأثرياء بالضرائب لكونهم مانحي العمل وعماد الاقتصاد الألماني بشركاتهم ومصانعهم. هذا كما وضع الحزب الليبرالي إلغاء تخفيض الإيجارات في برنامجه الانتخابي استنادا إلى أن الإيجارات ارتفعت رغم فرض سياسة ميركل والحزب الاشتراكي تخفيضها وتحديدها، هذا كما برر مطلبه هذا بضرورة تشييد مباني جديدة ما لا يقل عن 350 ألف مبنى وتتاح ثلث منها للسكنات الاجتماعية. بالرغم من ارتفاع نسبة التصويت للحزب الليبرالي إلا أن الخوف من عدم التزامه ببرنامجه الانتخابي ـ تخفيض الضرائب مثلا ـ يهدد نجاحه هذا كما أن نسبة نجاح حزب cdu حزب ميركل غير كافية للتحالف معه أي تطلب تحالف ثلاثي مع الخضر والحزب الليبرالي وفقا للتوقعات الراهنة.

يقول متحدث الرابطة الأوروبية بأن نجاح ميركل نجاح عظيم للرابطة الأوروبية لكونها رمز لها، كما أنها امرأة نموذج للقيادة السياسية المتزنة، هذا كما يسهل التعامل معها استنادا إلى طول فترة حكمها ووجودها في الرابطة، يقول : نعرف كيف نتعامل معها وفي أي خط تتجه.

أخيرا يطل شولتس مرشح الحزب الاشتراكي كمنافس لميركل ببرنامجه الاشتراكي المستند كذلك إلى تخفيض الضرائب ودعم الأبحاث والسكنات الاجتماعية. هذا إلى كونه عضو مهم ومعروف في الرابطة الأوروبية خلال عمله بها قبل انتقاله إلى ألمانيا لمنافسة ميركل. يقول شولتس عن نفسه بأنه فوزه هو فوز للرابطة الأوروبية ولألمانيا وللاجئين وأنه من الضروري بمكان أن تستبدل ميركل بسياسي اشتراكي فالتجديد مهم، يمنح الحياة السياسية انسيابية ويعجل حركتها بعيدا عن الرقابة،  هذه أسطر تعكس المشهد السياسي بألمانيا قبيل الانتخابات البرلمانية أكثر ربما يحول مجراها في لآخر لحظة حادثة ما كانفجار المعامل النووي باليابان وفوز حزب الخضر على حزب ال CDU الحاكم في ولاية بادن فوتنبيرج.

 

الأحزاب اليمينية وحزب البديل afd

تتفق كل الأحزاب اليمينية المتطرفة مثل republikaner و npd وكذلك afd في المطالبة بترحيل اللاجئين ورفض الإسلام. تقول بيترى رئيسة حزب البديل بأن ميركل فقدت الإتيان بالجديد للدفع بألمانيا سياسيا إلى الأمام وكل الذي تفعله هو البكاء على نجاحاتها السابقة وإعجاب الألمان بها لحكمها 3 دورات متتالية. تمركز نجاح حزب afd في ولاية هسن وساكسن حيث يكثر الكره للأجانب والإسلام واتهام اللاجئين بالترزق من الخزانة الاجتماعية والتطفل على أموال الألمان العاملين. جاء في برنامج هذا الحزب: تسفير الأجانب بسرعة والتخلص من تعدادهم المتضخم يوما بعد يوم ومنع دخولهم إلى ألمانيا والتشجيع على تدريس وتثبيت الهوية الألمانية ومكافحة الإسلام وحظر الحجاب. إلى جانب هذا الخطر والتخويف من الإسلام والأجانب اقترح هذا الحزب تشغيل العاطلين عن العمل مقابل تقاضيهم للمعونات، وكذلك تخفيض الضرائب لإنعاش الاقتصاد والتشجيع على العمل وليس الاتكال على الخزانة الاجتماعية.

تعتبر الأحزاب اليمينية بشكل عام أحزاب احتجاجية تقوم على الشعارات الجاهزة وتحريك حماس وانفعال المواطنين. يقول متحدث حزب cdu الحاكم بأن العزم الحقيقي للديمقراطية في ألمانيا هو عدم رغبة وتفاعل الأحزاب الديمقراطية مع الأحزاب اليمينية المتطرفة، أي أن محاورتها غير مجدي لأن برامجها معروفة .

حملت السيدة بيترى رئيسة حزب afd وصرحت بأنها سعيدة بأن تظهر صورتها في الانتخابات كأم ألمانية لمولود ألماني ـ ليس أجنبي ـ يحافظ على هوية ألمانيا ويؤكد انتفاء التعصب المزعوم.

كان وقد أشار رئيس حزب اليسار في بداية تكوين الحزب البديل بسبب تدفق اللاجئين لاسيما عام 2015 إلى الالتفات إلى محاور أخرى خطيرة لهذا الحزب غير إيقاف دخول اللاجئين إلى ألمانيا. بالتأمل فيما ذكره نجد بالفعل بأن حزب afd رافض للإسلام ولاشتراك ألمانيا في الرابطة الأوروبية وكذلك هجرة اللاجئين وبرنامج مغاير تماما لكل الأحزاب الأخرى فيما يخص معاشات التقاعد و والمعونات الاجتماعية والضرائب…!

نعم أن الحزب البديل كاره للإسلام اذ يعتبره دخيل على ألمانيا ولا ينتمي إليها، كما صرح كريستيان فولف رئيس ألمانيا سابقا بأن الإسلام جزء من ألمانيا، لذا يرفض هذا الحزب بناء المآذن والحجاب، خصوصا العاملات في الدوائر الرسمية كالمدرسات حتى لا يشجع الطلبة والطالبات على تفهم الإسلام والترغيب فيه، أما ما يخص اللاجئين فيطالب هذا الحزب بإيقاف دخولهم والتسريع في تسفير المرفوضين والمجرمين منهم وتعديل الدستور حتى يتم سحب الجنسية من المجرمين المجنسين ويتم بالفعل تسفيرهم. هذا كما يطالب هذا الحزب رفض وإيقاف لم شمل عوائل اللاجئين. أما إلتحاق ألمانيا بالرابطة الأوروبية فهو مرفوض كذلك إذ يطالب الحزب أن تظل علاقة ألمانية بالرابطة الأوروبية علاقة سوق اقتصادي مشترك لا غير ويدعو في نفس الوقت لإعادة العملة الألمانية “مارك” عوضا عن اليورو.

لا يختلف كثيرا برنامج حزب البديل عن برنامج الأحزاب اليمينية الأخرى إلا في قضايا الضرائب وسن المعاش أما المحاور الأساسية التهدمية الخاصة باللاجئين والإسلام والرابطة الأوروبية فهي المرتكز الأساسي لتحميس الألمان على الانتفاضة على الأحزاب التقليدية المتوازنة الداعية إلى احترام الأديان وتفاعل وتداخل الثقافات وعون اللاجئين المشردين بفعل الحروب والبقاء في الرابطة الأوروبية.

يقول “هلموت كول” مستشار ألمانيا الأسبق قبل رحيله بشهر بأن أعظم إنجاز حققه هو اتحاد الألمانيتين وأنه يرى بوادر اتحاد أوروبا، ويرى تكالب الأحزاب اليمينية المتطرفة لإفشالها.

 

إلى أين ؟

ها هي الانتخابات البرلمانية تعود من جديد بعد 4 أعوام لتظهر زعامة وتحالف الأحزاب من ناحية وعكس صورة ألمانيا الديمقراطية للعالم. كانت الانتخابات البرلمانية الفرنسية الشوط النهائي لتحديد استمرار الرابطة الأوروبية، أما ألمانيا فهي وجهان بصورة واحدة فالمتنافسان ميركل وشولتس راغبان في استمرار وتطوير الرابطة الأوروبية مع اختلاف طفيف حول تطويرها.

أما صورة ألمانيا الداخلية قبيل الانتخابات فتظهر فوز حزب cdu حزب ميركل استنادا إلى العديد من التوقعات، هذا كما أن احتمال تحالف حزبها مع fdp الليبرالي أو مع الخضر وارد  ومتوقع بالدرجة الأولى وليس استمرار التحالف السابق مع الحزب الاشتراكي. يقول زيهوفر رئيس الحزب الاجتماعي المسيحي csu حليف حزب cdu بأن الخلافات السياسية بين هذين الحزبين الشقيقين قد تلاشت وأن تحديد نسبة اللاجئين 20 ألف لاجئ سنويا التي يطالب بها حزبه ستطبق مبدئيا داخل ولاية بايرن مركز الحزب وليس على كل ألمانيا، وبهذا تكون ميركل قد انتصرت بمقترحها الرافض لتحديد نسبة اللاجئين.

 

لا ندري إلى أين تتجه ألمانيا سياسيا بعد انتخابات هذا الشهر؟

الكاتب Mudir

Mudir

مواضيع متعلقة

اترك رداً

*