ألمانيا و الطريق إلى قوة عظمى

img

إميل أمين

 

ما الذي يجري في ألمانيا؟ ولماذا تزداد المخاوف أوروبياً من عودتها من جديد لتسطع في سماوات القارة العجوز كما وصفها وزير الدفاع الأميركي السابق دونالد رامسفيلد ذات مرة؟

الشاهد أن ألمانيا عاشت ما يُعرف بـ«الرايخ الثالث» خلال الفترة من 1933 إلى 1945، عندما حكمت من قبل الحزب النازي بقيادة «أودلف هتلر»، هذا الرايخ الذي كان يسعى للعيش ألف عام، بل وتسيُد العالم لا الأوروبيين فحسب. واليوم بات عدد من كبار المفكرين الأوروبيين يخشون من أن انسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي سيخل بما هو أبعد من مفهوم «التوازن» بين الدول الأوروبية، ليوجه ضربة قاصمة لفكرة «التكامل بين الحكومات الديمقراطية»، فما معنى هذا الحديث؟

 

بالنظر إلى ما جرى في فترة الحرب العالمية الثانية سعى الأوروبيون إلى بلورة رؤية للتوازن بين دول القارة حتى لا تطغى واحدة على أخرى وتتسبب في كارثة إنسانية من جديد، ثم لاحقاً ومع ظهور إرهاصات التعاون المشترك بين شعوب القارة اقتصادياً أولًا، ثم سياسيا تالياً، ظهر في الأفق طريق التكامل بين الديمقراطيات الأوروبية، هذا المنطق الذي كفل أوروبا أطول فترة سلام في التاريخ. هل جاء انسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي ليوجه لطمة لأحلام الأوروبيين في الأمن والاستقرار، ولعودة المخاوف من قيادة وريادة ألمانيا؟

مؤخراً تحدث عميد السياسة البريطانية، اللورد المحافظ «هيزلتاين» (83 عاماً)، والذي رسم صورة بعيدة المدى وقاتمة جداً للعواقب التي سيتمخض عنها خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. يرى اللورد «هيزلتاين» أن خروج بريطانيا، يعني عملياً وضع القارة الأوروبية تحت زعامة ألمانيا، وأن هذا هو هدفها الاستراتيجي، الذي لم يتمكن هتلر من تحقيقه في الحرب العالمية الثانية، بينما تحققه ألمانيا الآن، بالوسائل السلمية.

خبراء الشأن الأوروبي يقولون إن ألمانيا التي خسرت الحرب عسكرياً تنتصر اليوم اقتصادياً، وأن فكرة التكامل الأوروبي لم تكن فقط تهدف إلى بناء أوروبا موحدة، بقدر ما كانت تتطلع إلى ردع الطموحات الألمانية.

ويعلم من لهم دراية بالتاريخ أن الحضور البريطاني كان دائماً وأبداً المكافئ الموضوعي أدبياً وأخلاقياً، وربما عسكرياً، للحضور الألماني على الساحة الأوروبية، وعليه فإن خروج بريطانيا من الاتحاد يجعل كفة الموازين الاستراتيجية تميل بقوة ناحية ألمانيا، ليختل التوازن الأوروبي، وهذا يعنى بحسب اللورد «هيزلتاين» «خيانة البريطانيين للأهداف والمثل العليا التي حاربوا من أجلها في الحرب العالمية الثانية»

 

هل مخاوف الأوروبيين اليوم من ألمانيا عسكرية أم اقتصادية؟

الشاهد أن الصناعات العسكرية الألمانية تعود بقوة، والسلاح الألماني مشهود له بكفاءة فائقة، كما أن الوجود العسكري يتزايد حول العالم، أما عن الاستخبارات الألمانية الخارجية فحدث ولا حرج عن دورها المتنامي بقوة لاسيما في الشرق الأوسط على نحو خاص، وهذه جميعها ملامح ترصدها بقية دول أوروبا، وتسبب لهم نوعاً من القلق المكتوم، إن جاز التعبير.

وثمة تساؤل على ألسنة الأوروبيين مؤداه: هل يمكن لألمانيا أن تتحمل عبء قيادة الاتحاد الأوروبي من دون وجود قوة عسكرية، للإمساك بزمام الأمور لاسيما وأن المنافِسة الأوروبية التقليدية لها أي فرنسا تمتلك جيشاً ذا مقدرة قتالية أكبر؟

بحال من الأحوال، لا تبدو مخاوف الأوروبيين من ألمانيا اليوم عسكرية بقدر ما هي اقتصادية، ذلك إنه «إذا إنهار الاتحاد الأوروبي، فهذا يعني أن ألمانيا أرادت ذلك»، والتعبير هنا للبروفيسور الأميركي «جيمس جيلبرايت»، الذي يعتقد بأن وزارة المالية الألمانية تفرض على البلدان الأوروبية التي ضربتها ولا تزال الأزمات الاقتصادية الطاحنة كاليونان وإيطاليا والبرتغال سياسات اقتصادية تحقق من ورائها أهدافها الخاصة، وبذلك تصبح ألمانيا مصدراً لتوتر الأعصاب اقتصادياً في أوروبا، لا مصدراً للاستقرار.

 

أحد أهم العقول التي رصدت الوساوس الأوروبية من الألمان «أليكس جروميكو» مدير معهد أوروبا في أكاديمية العلوم الروسية، والذي يتابع ارتدادات السياسات الألمانية في جنوب أوروبا بعد الأزمة اليونانية، وفي وسط أوروبا بعد أزمة المهاجرين، وعنده في الحالتين، أن تصرف ألمانيا آثار مشاعر النفور لدى مواطني الدول التي تضررت جراء هذه الأزمات، خلال العامين أو الثلاثة الماضية، وتصاعد عدد الدول التي ترسخت لديها شبهات بأن ألمانيا لا تعمل من أجل الصالح العام، بقدر ما تستهدف إعلاء مصالحها الخاصة، وترسيخ أدوارها السيادية في القارة الأوروبية.

بُعد آخر بات مثيراً لما هو أكثر من القلق أي الخوف، إنه ذاك المتعلق بأصوات النازية العائدة من الماضي الألماني المكروه من الأوربيين ومن أكثرية الألمان، ففي لجة تصاعد القوميات ورواج الشعبويات، عادت من جديد نغمة ألمانيا «الآرية» و«ألمانيا فوق الجميع»، والمشاهد لدقائق الواقع الألماني يرى حركات عنصرية عديدة تطفو على السطح من عينة «بيجيدا»، وغيرها، وهذه وإنْ كانت تستهدف المهاجرين واللاجئين، لاسيما من المسلمين اليوم، فإنها في الغد حتماً ستتعاطى مع بقية الشعوب الأوروبية بالعقلية ذاتها، وجل تلك الحركات من شباب لم يعشوا أهوال الحرب العالمية الثانية، والفاتورة الباهظة التي دفعتها ألمانيا من جراء أوهامها الإمبراطورية.

حلم القوة العظمى قد لا يكون واقع حياة بالنسبة للقيادة السياسية الألمانية في الحال، لكنه قد يضحى كذلك عند قيادات ألمانية شابة بامتياز في المستقبل القريب، وفي كل الأحوال يمكن القطع بأن ألمانيا وفي العقدين الماضيين قد فردت جناحيها، ولم يعد بوسعها الاختباء وراء أحد، ما يمكنها من قيادة أوروبا سياسياً وللقصة فصول لاحقة.

الكاتب Mudir

Mudir

مواضيع متعلقة

اترك رداً

*