التصريحات العنترية ضد اللاجئين لا تفيد إلا المتطرفين

img

 

د/ أمير حمد

 

شكلت حادثة اللاجئ الافريقي من توغو وضعا جديدا لإعادة مناقشة وجود وتسفير اللاجئين. وقف أكثر من 200 لاجئ في وجه قوات الشرطة لإيقاف تسفير هذا اللاجئ الأمر الذي عطل اجراء وزارة الداخلية واستخدام اللاجئين للعنف، ومن الغريب أن تقع هذه الحادثة في ولاية بادن فيرتمبيرج الثرية الآمنة بجنوب ألمانيا والمحكومة من قبل حزب الخضر الذي استطاع بدفاعه عن قضايا البيئة وحقوق الانسان ابعاد حزب CDU والحزب الليبرالي FDP من حكم هذه الولاية طيلة الدورتين السابقتين.

سارع زيهوفر وزير الداخلية CSU بإدانة تصرف اللاجئين بإيقاف تدخل الشرطة وتعطيل أوامرها واعتبره صفعة في وجه ألمانيا. يقول زيهوفر بعد تسليم اللاجئ الافريقي المعني هنا، بأنه قد حان الوقت للحزم وضبط اللاجئين بألمانيا، بهذا قصد تسريع تسفير اللاجئين المرفوضين وسرعة دمج المقبولين منهم وتشغيلهم، لاسيما في القطاعات الشاغرة  كالعناية بالعجزة والمسنين. يقول زيهوفر مراكز استقبال اللاجئين وتسفيرهم المقترحة والتي تطالب بها معظم الولايات كولاية هيسن وساكسن يمكنها استيعاب 150 الف لاجئ ينظر في طلباتهم ويسرع في تسفيرهم اذا لزم الأمر.

انتقد حزب اليسار تصريحاته وتصوره، اذ اعتبره اجراء من جانب واحد يعني تسفير اللاجئين ولا يهتم بزجهم بالآلاف في معسكرات كهذه تؤدي بدورها إلى الإجرام والقتل وتجارة المخدرات ورفض الشرطة كما حدث هنا. هذا وقد سبق رئيس وزراء ولاية بايرن مقترحات وآراء زيهوفر بإلزام المؤسسات الحكومية الرسمية والمدارس بتعليق الصليب في واجهاتها إعلانا عن مسيحية ألمانيا. وانتقدت أحزاب المعارضة وبعض اعضاء حزب SPD بل والكنيسة الكاثوليكية ما جاء به رئيس الوزراء، اذ اُعتبر شق وإقصاء لغير المسيحيين وتحدي للثقافات الأخرى، لاسيما الشرقية منها. وذكر متحدث الكنيسة الكاثوليكية بأن مغزى الصليب هو تحمل العذاب والذل ورفض القتل والعنف وليس التحدي العشوائي بالمسيحية بين الأجانب والمستضيفين. لا يخفى على المتابع للسياسة الألمانية بأن ولاية بايرن ستدخل في انتخابات برلمانية في خريف هذا العام وكان فوز حزب البديل AFD بسحبه البساط من تحت حزب CSU بتبني قضايا ايقاف هجرة اللاجئين وسرعة تسفيرهم وزيادة الشعور القومي بين الألمان واتهام الأجانب بالتطفل والتكسب من الدعم الاجتماعي وتفشي الجرائم والعنف.

 

ابحث عن السبب “تجد السياسة الإسرائيلية”

هزت مشاعر الألمان حادثة ضرب لاجئ سوري ليهودي شاب بالحزام لتغطية رأسه بقبعة يهودية في الملأ العام. امتد احتجاج الألمان، لاسيما الكارهين للأجانب واللاجئين ليقف إلى جانب اليهود ولو لوضع استثنائي كهذا. حكم الشاب السوري بالسجن لأكثر من ستة أعوام وفتح من جديد ملف العداء للسامية لدخول اللاجئين الشرقيين والمعنيين بالقضية الفلسطينية المضطهدة.

يقول باحث سياسي ألماني بأن اعتراف ترامب بالقدس عاصمة لإسرائيل ومسارعته بفتح سفارة أمريكية فيها أجج الأزمة وكبح محاولة الرابطة الأوروبية لأن تكون القدس عاصمة مشتركة لإسرائيل وفلسطين، وواصل بأن اللاجئين الشرقيين العرب لا يزالون يعانون من سيطرة وعشوائية هيمنة إسرائيل لأراضيهم مما يمهد للثأر والحقد على اليهود سياسة وشعبا. هذا كما ارتأى مفوض الاندماج ضرورة توعية وتعريف القادمين الجدد من اللاجئين والعرب على تاريخ ومأساة اليهود وضرورة فصل السياسة الإسرائيلية عن المواطنين اليهود لاسيما المقيمين في ألمانيا.

أما وزير داخلية ألمانيا فلم يجد سوى سياسة الردع والتهديد بإجراءات القانون الالماني اذ وافق على سجن اللاجئ السوري وقال بأن ألمانيا دولة صديقة معنية بالدرجة الأولى باليهود، فمن لا يوافق على هذا فليرحل أو يظل فيها ممتثلا للوائح الألمانية. كما دعت الجالية اليهودية اثر هذا الحادث البرليني كل المقيمين في برلين للمشاركة في يوم لبس القبعة اليهودية تحت شعار التعاطف مع اليهود ورفض العنف والتعدي عليهم. شارك في هذا اليوم بعض المسلمين وتنظيماتهم كقوى دينية متسامحة منفتحة على الاديان الأخرى فيما احتجت المساجد التركية ومعظم السنة والشيعة.

قال جريجور جيزي الرئيس الأسبق لحزب اليسار المعارض بأن السياسة الاسرائيلية مسؤولة عن الشقاق الذي يحدث بين الفلسطينيين والإسرائيليين والعرب واليهود وامتدت إلى وراء الحدود كما يحدث بين اللاجئين العرب وغيرهم وتحقيرهم لليهود.

وكما أشرنا في أكثر من موقع في مقالات “عين على اللاجئين” بمجلة الدليل بأن قضية هجرة اللاجئين الأخيرة منذ عام 2015 تحتل أهم محاور السياسة الألمانية وكذلك الرابطة الأوروبية.

 

دعاية انتخابية

ظهر دوبريند / حزب CSU وزير المواصلات سابقا على الساحة السياسية كناقد لسياسة اللاجئين الألمانية لاسيما بعد حادثة اللاجئ الإفريقي من توغو في ولاية بادن فيرتمبرج قال بأن القضاء الألماني ومنظمات حقوق الانسان واللاجئين تعمل بلا اكتراث لإفشال سياسة تسفير اللاجئين المرفوضة طلباتهم وهذا تحقير لأنها مطالب الالمان والسياسة في آن معا.

يرى أكثر من محلل سياسي بأن ألكسندر دوبرند يحاول تقليد سياسة الحزب البديل AFD لسحب البساط منه وإفشاله في الانتخابات البرلمانية القادمة في ولاية بايرن الخاضعة لحزب CSU ، يقول ألكسندر دوبرند بأنه لا يعقل أن تتعامل ألمانيا مع دول العالم الثالث/ دول اللاجئين لاسيما من أفريقيا، وتدعم تنميتها فيما ترفض هذه الدول استعادة لاجئيها. وقد اعترض متحدث وزارة الخارجية على تصريح ألكسندر دوبرند هذا المعني بقطع دعم دول اللاجئين لأن هذا الدعم كما يقول مرتبط كذلك بالتعامل العلمي ودعم التعليم والتدريب المهني وكذلك التبادل الثقافي بين ألمانيا ودول العالم الثالث وبالأخص أفريقيا.

من المعروف بأن ألكسندر دوبرند وزيهوفر وزير الداخلية يسعيان بقوة إلى الترويج لكسب حزبهما CSU للانتخابات البرلمانية القادمة في الولاية في الخريف وإفشال الحزب البديل AFD الذي نال ميول معظم الألمان الرافضين لسياسة ميركل المنفتحة على اللاجئين.

لقد انتقدت منظمة “برو ازول” المدافعة عن اللاجئين مراكز استقبال وفحص الطلبات والتسفير كيافطة محذرة غير مرحبة باللاجئين بل وبالمرصاد لتسفيرهم، إلى جانب هذا الانتقاد انتقدت منظمات انسانية أخرى خطة زج 1500 لاجئ في مركز واحد اذ يمثل مثل هذا الاجراء تعدي على حقوق الانسان وتقييد حريته هذا كما يمهد للعنف وتجارة المخدرات و …!

ومن جانب آخر دعت حكومة ميركل إلى تثقيف وتوعية أبناء اللاجئين لاسيما العرب منهم بمعرفة التعامل مع الأجناس الأخرى كاليهود واحترامهم والمعيشة السلمية واحترام اللوائح والقوانين الألمانية حتى لا تنتهي رحلة لجوءهم بالزج في السجون والإصلاحيات.

لقد غيرت هجرة اللاجئين الضخمة في عام 2015 وما تلاها منظومة ألمانيا الاجتماعية والثقافية ايجابيا وسلبيا كما هددت أمنها بوضوح لتسلل الارهابيين وسطهم وتجار المخدرات و المسكونين بهاجس الانتقام من الغرب المستعمر  والمتعاون مع اليهود ضد العرب والأقليات. أجريت في كثير من القنوات والصحف مقارنة سياسة اللاجئين في ألمانيا ودول الرابطة الأوروبية لاسيما الدنمرك كوجه مقارب لألمانيا من ناحية ومغاير تماما لها من ناحية أخرى. جاء في اذاعة فونك الألمانية بأن الدنمرك تختلف تماما عن ألمانيا فيما يخص مفهوم التحوصل اذ أنها لا تعزل اللاجئين أو تقصيهم في مناطق بعيدة كما تفعل ألمانيا، بل تزج بهم داخل مدنها شريطة أن يتعلموا اللغة الدنمركية جيدا ويتعرفوا على ثقافات وعادات وتاريخ الدنمرك حتى لا يحسوا بالتهميش أو الضياع.

نقول هذا ونذكر بأن ألمانيا استفادت من نموذج تثقيف وتوعية اللاجئين الدنمركي وكذلك تقليص لم الشمل وتشديد اللوائح والقوانين المعنية باللجوء. من المعروف بأن الحكومة الدنمركية قلما تشكلت في غياب أحزاب يمينية علما بأن بها 90 حزب سياسي تميل إلى الليبرالية واليمين. قال متحدث أحد الأحزاب اليمينية بأن الدنمرك  تسمح للاجئين بالدعم 3 سنوات فقط ومن ثم عليهم أن يعينوا عائلتهم بأنفسهم أو يغادروا الدنمرك. هذا كما أقرت حكومة الدنمرك برغبتها في تسفير واختيار اللاجئين ما أن وصلوا إلى دول الرابطة ومن ثم ترحيلهم مباشرة إلى بلادهم أو إلى الدول الاوروبية وفق امكانياتها والتزامها بعضويتها في الرابطة الأوروبية.

 

استغلال مساعدات التنمية كسلاح 

تظل ألمانيا رغم عضويتها ودورها الرائد في الرابطة الأوروبية حالة والتصاقها كجارة لبولندا وتشيك والنمسا وفرنسا وهولندا وبحر الشمال المؤدي إلى الدول الاسكندنافية حالة خاصة فيما يخص سياسة اللاجئين، فألمانيا هي الدولة الأولى بين هذه الدول المستقبلة والآوية لأكبر نسبة من اللاجئين ـ قرابة مليون ونصف لأجئ، كما أنها تعاني من نقص في الأيدي العاملة في القطاع الصحي/ العناية بالعجزة الذي يمكن سده بتشغيل اللاجئين هذا كما أنها في نقص سكاني/ ديمغرافي لتدني نسبة الولادة.

يقول متحدث منظمة “برو أزول” المهتمة باللاجئين بأن الدفاع عن اللاجئين لا يعني إبقاء المجرمين والإرهابيين منهم كما حدث مع عمري التونسي أو اللاجئ التونسي الآخر المقيم في فرانكفورت المخطط لتفجير في ألمانيا ومشارك في تفجير متحف بتونس عام 2015 وغيرهم! غير أنها تسعى لينال اللاجئين حقوقهم وتحترم كرامتهم ولا يكونوا طعما سهلا للأحزاب النازية والتصريحات المرفوضة كتصريح ألكسندر دوبرند الخاص باللاجئ الافريقي من توغو، من المعلوم بأن ألكسندر دوبرند هذا قد طالب المحاكم الألمانية بتسريع النظر في طلبات اللاجئين وتسريع البث فيها وتسفيرهم علما بأن المحاكم الألمانية تعاني من تكدس الطلبات ونقص في رجال القانون وضيق الزمن.

لا يختلف ألكسندر ألكسندر دوبرند عن زيهوفر وزير الداخلية اذ يقولا بأن تأخير قرار المحاكم في الطلبات يعني خطورة وتهديد أمن ألمانيا لاحتمال وجود ارهابيين أو مجرمين محترفين ضمن مقدمي طلبات اللجوء. يقولا بأن  5.7% من الميزانية الالمانية خاصة بدعم تنمية دول العالم الثالث وجزر المحيط الباسفيكي مما يجعل ألمانيا مؤهلة للضغط على حكومات هذه البلدان ومطالبتها باسترجاع لاجئيها “إرسال هوياتهم ليتم تسفيرهم” وذلك دون مماطلة كما فعلت تونس مع العمري الذي انتهز مدة اقامته في ألمانيا ليقتل 12 مواطنا في برلين. نقول هذا ونذكر بأن تهريب اللاجئين غير العرب يأتي عن طريق عصابات أوروبية تهرب مواطني شرق أوروبا بجوازات رومانية إلى ألمانيا مثلا، ويظل السؤال قائما هل نجحت الرابطة الأوروبية في تأمين حدودها ومحاربة المهربين؟

رغم الجهود المبذولة في آخر اتفاقيات مع دول اللاجئين الافارقة ودعم أفغانستان واتفاقية تركيا مع الرابطة الاوروبية يظل تسرب اللاجئين منتشرا مبتدعا كل مرة طريقة تسلل جديدة ولا تتورع العصابات عن قتل واستنزاف اللاجئين.

عندما تقدم زيهوفر  وزير الداخلية بتقرير عن الإجرام بألمانيا قال أن نسبة الإجرام انخفضت في ألمانيا ، بهذا عني زيهوفر حوادث السرقة والسطو، أما نسبة الاعتداء الشخصي والعنف فقد زادت وربطها باللاجئين والأجانب. هذا كما قال موضحا بأن تقليل نسبة اللاجئين ومراقبة الحدود ودعم الشرطة أدى إلى تقليل الاجرام في ألمانيا وسيظل هو ووزارته أعين ساهرة للحفاظ على أمن المواطنين، أما الأمن الحقيقي ومجابهة الخوف فهي مسؤولية كل فرد بالدرجة الأولى ولا خوف عليه طالما احتاط لأمنه واستعان بالشرطة عند الحاجة.

 

كان وقد ذكر “بيتر شلاتور” الصحفي والمؤرخ الشهير بأن الغرب فقد مصداقيته تجاه الشرق، فترانا نذهب أكثر بأن الغرب وأمريكا لا تتورعان عن ابقاء الحروب ساخنة ، وحل الاتفاقيات السلمية مثل اتفاقية تخصيب اليورانيوم لأغراض سلمية بإيران دون الاهتمام بمغبة نتائجها، فقط ارضاءً لاسرائيل وفرض الهيمنة الأمريكية.

لا يهم ترامب تشرد المتضررين من الشرق جراء نزاعات كهذه وما تلاها من حروب وسيطرة على الاقتصاد والموارد الطبيعية ولا يهمه طالما ظلت أمريكا القوة العسكرية الأولى في عالمنا المستضعف.

 

الكاتب Mudir

Mudir

مواضيع متعلقة