«الذواقة» ملحمة أدبية تمزج بين الطعام والسياسة

img
ثقافة 0 Mudir

مكانة رفيعة تحوزها رواية «الذواقة» الصادرة عام 1983م، للمؤلف الصيني لو وين فو. إذ إنها ملحمة أدبية تمزج بين الطعام والثورة والسياسة في الشأن الصيني.

وتصنف واحدة من أهم الأعمال الأدبية التي تتناول الثورة الصينية بصورة مغايرة، كما تعتبر العمل الأهم لكاتبها الروائي الصيني. وكانت قد نشرت للمرة الأولى في العدد الأول لمجلة «الحصاد» الصينية.

«الذواقة»، كما هو واضح من اسمها، رواية تتعامل مع الطعام؛ وتدور أحداثها في مدينة سوجو جنوب الصين، وهي مدينة مشهورة بجمال الطبيعة فيها، فضلاً عن الأماكن الترفيهية التي تحتويها. واختيار المدينة لا يقف عند حد جمالها؛ بل يعود الأمر إلى حضور المطبخ الشعبي الغني في هذه المدينة التي تمتاز بجمال المنظر والمذاق.

في حكاية قد يراها القارئ بسيطة، ينطلق لو وين فو بروايته التي تحكي عن العلاقة بين أحد الأثرياء الذين يحبون الطعام ويعمل ذواقة.. وهو البطل تشو زي تشي الذي يمكن وصفه بالشراهة» حتى إنه وجد ضالته في الطعام والعمل كذواقة وبات يمتلك العقارات.

وشخص آخر هو واحد من المشاركين في الثورة الصينية الذي أعلى من قيمة مبادئ الثورة وابتعد عن البذخ والإسراف: غاو شياو تينغ. وتتقاطع الأحداث ووجهات النظر في العمل ما بين الشخصيتين؛ حيث توضح صداقتهما عديداً من ملامح التغير في الواقع الصيني.

وتنكشف للقارئ مع تباينات وتفاصيل هذه العلاقة، جملة من القصص والمواقف والأحداث التي تعتمل في مضامين المجتمع الصيني، يطرق معها الكاتب شؤون السياسة والاجتماع والفكر والتاريخ والحاضر في ذاك المجتمع، عبر معالجات روائية شائقة، ترتكز إلى ثقافة الطعام وأبعادها وما يحيط بها من مسائل.

أحوال

يقدم لو وين فو في الرواية، قراءة تاريخية لفترة تمتد أربعين عاماً، يعكس معها ملامح التحولات الصينية الحديثة؛ بداية من الحرب الأهلية الصينية، ثم اندلاع الثورة الثقافية، وما تلاها من متغيرات طرأت على الواقع الصيني، ويرصد فو بصورة عميقة، الثورة ودمجها مع الطعام وتتبع الأحوال الاجتماعية للشعب الصيني.

وفي قالب اجتماعي يغلب عليه الجانب الذاتي، يقدم فو روايته؛ حيث نجد حضوراً طاغياً لسيرة الروائي لو وين فو؛ إذ اعترف بأن شخصية الأرستقراطي المتضامن مع الثورة غاو شياو تينغ هو ذاته فو ويحمل أفكاره، فهو يتحدث بقدر من لسان حال المؤلف، ويرى فو أن الثورة بالنسبة إليه كانت عبارة عن تفريغ السخط والكراهية التي كنّها للمجتمع القديم.

وهو السبب الذي دفعه إلى الاشتراك في الثورة؛ إذ حملت المبادئ الثورية مثالية كبيرة حمست المواطنين للمشاركة فيها، تلك الأفكار التي يقدم لها فو قراءة عميقة تكشف ملامحها وسلبياتها وإيجابياتها؛ لا سيما بعد الثورة الثقافية التي انطلقت عقب الثورة السياسية.

وجه الماضي

لم يكن التاريخ أيضاً بعيداً عن الرواية، فرواية تتحدث عن الثورة لم تخلُ من ذكر أحداث تاريخية كالحرب الأهلية والمجاعة الكبرى والثورة الثقافية وغيرها من ملامح متغيرات الواقع الصيني. وبتصفح الرواية نجد حضوراً للأدب والشعر الصينيين القديمين لشعراء الصين الكبار، أمثال: باي جو يي وتانغ بو خو.

ويرجع ذلك إلى تذوق لو وين فو للشعر والأعمال الكلاسيكية ونهمه لقراءة ما هو كلاسيكي، فضلاً عن عمله الصحافي الذي استمر ثماني سنوات، كما أنه استعان ببعض التعبيرات القديمة لوصف المناظر الخلابة في مدينة سوجو وأطعمتها المميزة.

ويقول فو في روايته: «وجبات سوجو الخفيفة لا تباع في دكان واحد، بل هي منتشرة في الشوارع والأزقة، على أطراف الجسور ومداخل الشوارع؛ منها ما يباع في دكاكين، بعضها على عربات، وبعضها يبيعه الباعة المتجولون، وإذا أحضرنا كل صنف منها ليؤكل مع النبيذ فلن يستطيع أي نادل القيام بذلك العمل».

ويتابع: «..ويجب أن يكون هناك شخص ما يجوب الشوارع ليحضرها، ولعل ساقيّ أصبحتا طويلتين، إذ تناقش تشو زي تشي مع أمي قائلاً: ابنك غاو شيو تينغ ذكي فطن، كنتُ أود أن يساعدني في أمر ما، وسأعامله معاملة طيبة».

لغة ولهجات

بالنسبة إلى اللغة، نجد أن لغة فو تعتمد على التنوع ما بين الفصحى والعامية الصينية؛ أو بمعنى آخر، تتباين بين اللغة الصينية ولهجة أهل مدينة سوجو، وهذا التباين يخدم مضمون الرواية؛ حيث يشعر القارئ بأنه يعيش في قلب الحدث ولا ينفصل عن واقعه.

وهو ما فعله توفيق الحكيم في عدد من أعماله المسرحية، مثل مسرحية «الصفقة»، حين استخدم لغة أهل الريف البسيطة حتى يكون هناك حضور لخلفية هذا الريف لدى القارئ من خلال الكلمات؛ فالوسيط في الأدب هو الكلمة، وعليه فلا بد أن تكون قادرة على إيصال المعلومة والتأثير في القارئ.

تكثيف

لا تخلو الرواية من ملمح السخرية، وهو ما امتاز به أسلوب فو؛ من خلال ذكر التباين بين حال الأرستقراطي وما جاءت به الثورة الشيوعية الصينية، ويقول: «ستأتي الشيوعية في المستقبل، وعندئذٍ يمكننا أنْ نأكل طعاماً مثل هذا».

سمة غالبة

يعتمد فو على ضمير الأنا لسرد أحداث الرواية؛ فإلى جانب كونه ممثلاً في الرواية. ومن خلال شخصية غاو –شياو، فإن لغة السرد في الرواية كثيرة مقارنة بحضور الحوار بين الشخوص؛ وهو ما يجعل الوصف سمة غالبة على الرواية، لا سيما مع حضور وصف للتفاصيل الصينية خلال 40 عاماً من المتغيرات.

اعتمد فو على سمة التكثيف في هذا العمل الروائي، فرغم أنه يتناول 40 عاماً من المتغيرات التي طرأت على الواقع الصيني، وهي فترة طويلة ومليئة بالأحداث؛ إلا أنه يعتمد على التكثيف والتركيز على سمات معينة خاصة.

حيث الطعام الذي يعتبر أصل الحياة، ويتعامل معه بطل روايته تشي على أنه صلب الحياة رغم كونه ثرياً؛ إلا أنه نهم، وكذلك الثورة التي تعتبر محرك شخصية غاو- شياو.

مجال أرحب

ولا يأتي المؤلف في الرواية على ذكر الثورة باستخدام الشعارات والصوت المرتفع المليء بالتنديد، ولكنه يقدمها في صورة بسيطة إنسانية؛ وهو ما مكّن الرواية من عبور مجالها إلى مجال أكبر: المجال الإنساني العالمي.

ويشير فو إلى وجه التغيّر قائلاً: «وباندلاع الثورة الثقافية تحول كل ما سبق بالطبع إلى إثم، وقيل إنني أعيد النظام الرأسمالي بالكامل، وأجبر الجمهور بقسوة وانعدام شفقة على خدمة أسياد المدينة، وقالوا إن الوجبة التي تناولها جانغ يو أر لم تكن شهية، وتعرضت إلى الهجوم طوال اليوم».

ومن المؤكد أن الرواية تنطوي على أبعاد مهمة، تستشرف مستقبل البلاد وتشير إلى جوانب كثيرة متنوعة تتفاعل في حياة الناس، وتهييء للكثير من التغيرات وأوجه التجديد والتطوير على كافة الصعد.

1983

حازت الرواية جائزة أفضل عمل روائي في الصين في عام صدورها.

وسام

تصنف «الذواقة» كواحدة من كلاسيكيات الأدب المعاصر، ومكنت كاتبها لو وين فو من الحصول على وسام فارس في الفنون والآداب في فرنسا.

الكاتب Mudir

Mudir

مواضيع متعلقة

اترك رداً

*