بين البيت الفلسطيني وبيت جدي!

img

 

دياب موسى ابو حسن / المعهد الثقافي العربي

 

في هذا اليوم كنت وحدي في البيت بعد الظهر مستلق على أريكة امام شاشة التلفاز أقلب في المحطات. حان موعد نشرة الاخبار على قناة فلسطين وظهر مقدم النشرة بوجه منشرح وإبتسامة ظاهرة وهو يخبر عن قرب إنهاء الإنقسام بين الفصائل الفلسطينية والعودة الى البيت الفلسطيني موحداً وقريباً جداً. نهضت بسرعة وإذا بصوت يصدر مني فرحاً مبتسماً ومتنهداً على ما قاله المذيع، وأغلقت التلفاز.

 جلست أحك في رأسي وأفكر. خطر ببالي البومات الصور للعائلة والأصدقاء، تناولت البوماً لصور ورحت أقلب بها واذا بصورة لجدي! نظرت إليها وتذكرت جدي رحمة الله عليه، كيف كان حريصاً على بيت العائلة ويلم أطفاله ونحن كثر تحت جناحه. وكان يمنع أي أحد بالإعتداء علينا، وبنظراته يمدنا بالقوة والإطمئنان.

كان جدي صاحب الكلمة والكل يطيعه لخبرته الكبيرة التي إكتسبها من الأيام ومستفيداً منها. وكان همه الوحيد دائماً هو حماية البيت والعائلة، وإذا حاول أحد الإعتداء على البيت أو على أحد من أفراد العائلة، يقف ويتكئ على عكازه ويصرخ: “اخوكم اعتدوا عليه الحارة الثانية” والكل يفهم معنى كلام جدي ويسرع الجميع للحارة ولا نعود إلا وحق الأخ معنا!

في البيت الفلسطيني إذا إعتدت دولة على فصيل تظهر الشماتة ويكب الزيت على النار. ويشمت فلسطيني على فلسطيني من فصيل آخر إذا حصل وأن تعثر…

في البيت الفلسطيني تمنع إحتفالات هنا ويسمح لإحتفالات فصائل أخرى هناك. رايات ترفع ورايات تمنع. والكل يصف الآخر أنه حوت قادم لابتلاعه. قائد البيت الفلسطيني في واد والشعب في واد آخر. وما أكثر المسؤولين، وكل منهم يريد أن يدير البيت على طريقته، الكل يقترح والكل يعتقد أنه على حق والآخر على خطأ. “ومش بس هيك” والكل يعمل وفق أوامر خارجية! وكثير من القرارات تتخذ دون الرجوع للآخر، المهم المصالح الحزبية.

في بيت جدي فإن الحقوق للجميع، ولا تمييز لأحد على أحد، أو حرمان آخر من الميراث حتى ولو أخطأ. ولا يجري التفريق بين هذا الإبن او تلك البنت. الكل ينتمي لبيت الجد الذي لا يفرق بين أبنائه.

قبل وفاته أوصانا جدي: إياكم والفرقة! وذكر لنا قصة العصي وهي مجتمعة حيث يصعب كسرها. وأوصانا بصلة الرحم وبحرمة الجار…

لملمت صور العائلة وأعدتها مكانها قبل أن تنزل دمعتي أمام صورة جدي، وتنهدت وترحمت عليه، وتمنيت للبيت الفلسطيني الدفء مثل بيت جدي. خاطبت جدي في صورته قائلاً: والله البيت الفلسطيني حالته صعبة يا جدي وتبكي حتى الصخر…

“وكأنه لم يكن بعضنا من بعضنا… كم تشبهنا هذه الحياة، فنحن منها وهي منا… نلومها فتتجاهلنا وتمضي في طريقها نتعثر، فنركل حجارتها بأقدامنا لنقع في أفخاخ نصبناها لبعضنا، وندعي أنها خدعتنا”. (لمياء مشعل، خواطر من برلين، ، مجلة الدليل حزيران 2017)

الكاتب Mudir

Mudir

مواضيع متعلقة

اترك رداً

*