تغريبة النّازحين في شِعر حسن إبراهيم الحَسن

img

موسى الزعيم

 

بعيداً عن الضجيج الإعلامي، وبهدوء وخطاً ثابتة، يمضي الشّاعر حسن ابرإهيم الحسن في مشروعه الشّعري الذي بدأه منذ أعوام، والذي توّجه بعدد من أهمّ الجوائزالعربيّة في مجال الشّعر، فالإبداع حسب رأيه، عملٌ فرديّ يتطلّب حرفةً ودرايةً وصبراً.

آخرُانجازاته ثلاثةُ دواوينَ شِعريّة تحملُ همّاً مُشتركاً، وخطّاً دراميّاً شعريّاً واحداً وهوالتّغريبة السّورية، أو كما سمّاها تغريبة النّازحين.

الدّواوين صدرت ما بين أعوام 2013 و2018 وهي (غامضٌ مثل الحياة وواضحٌ كالموت) و(خريفُ الأوسمة) و( كالصّدأ العَنيدِ على الصّواري ) علماً أنّ الشّاعر أصدرَ قبلها ديوانين هُما / المبّشرونَ بالحزن / وها أنت وحدي/. 

عندما تقرأ قصائده في التّغريبة – كما في كلّ الدّواوين السّابقة – يهبطُ قلبك بين يديك ، تَسترجِعُ شَهقةَ ولادَتك الأولى، تَنزِل إلى العالمِ السُّفليّ، تُحاورمن اغتالتهُم الحَرب، تَسألُ السّمك عن جُثثِ من غرقوا في المتوسط ، تَصعدُ مرّة أخرى، تصغي لهمسِ العُشب، تأخذ من الأشجارِ حكمتها، تفتحُ دفاترَ نبوءاتِ الأنبياءِ والعرّافين، تَجمعُ بقايا ألعابِ الأطفال المُحطّمة في الشّوارع، تقرأُ تفاصيلَ الانتظارِفي وجوه الأمّهاتِ ، تُرجِعكَ صُورهُ الشّعرية إلى الفِطرة الأولى، إلى َصبر أيوّبَ، وصفاءِ روحِ يوسفَ.. في قصائدهِ ينبعُ الماءُ من بينِ يديكَ، فتصيرأنتَ في صبركَ، ونجاتكَ المُعجزة .

 

الأمكنةُ في قصائدهِ أوراحٌ تَخشّبتْ على المَسرح، مُهدّدة بالحريق، تفتحُ عينيكَ على ريحِ البادية المُشبعة بالرّمل،  تتلمّسُ دروبَ الغاباتِ وسطَ أوربا بأصابعك رغم نورالنّهار.. حلب هنانو.. النجف ..عيثة.. شنشار.. دبي ..القاهرة.. حمص.. كلّها حاضرة ٌفي تسمياتِ قصائدهِ.

وتجربةُ النُّزوحِ عِندهُ  ليستْ حكاياتٌ يتناقلها النّازحون، بل عاشها بكلّ تفاصيلها، حيث الطّريق يطولُ من حلبَ إلى المجهولِ، مروراً بغاباتِ الوحشة والخوف، وقواربِ الموت، وستراتِ النّجاة الملقاة على الشواطئ ، صُعوداً نحوَ قمّةِ الأولمبِ.. في محطّاتِ قِطارات صربيا، ومقدونيا، وغابات هنغاريا، هو ليل الرّعب الذي عاشه قرابةَ مليون نازحٍ سوريّ.

 

القصيدةُ عندهُ كائنٌ مُعذّبٌ، تنزحُ معهُ، يخبّئها بينَ ضلوعهِ، ينتظرُلحظةٍ راحةٍ بين قذيفتين، أوعلى حدودِ دولتين، ليزيلَ عنها غُبارالتّعب، وملوحةَ البَحر، يُهدِّأ أنفاسها ويفرغها على بياضِ الورق .

يحطّ رحاله أخيراً في ” أوسنا بروك” شمال ألمانيا، يرتّب دفاترآلامه، يطلقُ قصائده زفرات أوجاع النّازحين جميعا ً.

ينحازُ الشّاعر دائماً في نصوصهِ إلى الإنسان، الكائن /المُعذًّب/ الذي يخوضُ حَرباً يَعلم أنّه الخاسرُالأوحدُ فيها، حَربٌ يُسدّد فاتورتها أولاً ثم أولاً الأطفال والنّساء .

وهم حاضرون في قصائدهِ دائماً.. الأمهاتُ.. الأراملُ..  الرّجلُ المركّب على شهوة القتلِ..  الفقر.. الخبز.. الدّفء..الاستراحة بين شوطي معركةٍ، أو حدودِ دولتين وشاطئ نجاة.. حلم الأطفال باللّعب، قرفُ الحربِ وسيرةُ الدّم، حكايةُ قابيلَ وهابيل، التّي تتكرر كلَّ ساعةٍ، كلّ ذلك يحملُهُ سياق الّنصّ الشّعريّ، ويبسطُهُ في لُغةٍ جماليّةٍ إيقاعيّةٍ خفيفيةٍ وخفيةٍ .

في دواوينه الثّلاثة، يرصدُ تَجربةَ النّزوح البِكر، مُذ تركَ السّوري بابَ بيتهِ مُوارباً وغادرَه مُسرعاً، أيقنَ أنّه لن يعودَ إليهِ مرّة أخرى، صارتْ كلّ المُخيّمات والأرصفةِ وطناً بديلاً له.

 

 

غامضٌ مثلَ الحياة وواضحٌ كالموت

حازَهذا الدّيوان على جائزة دبي للإبداع الأدبيّ، المركز الأوّل شعر، عام 2013 ويقع في مئةٍ وأربعين صفحةٍ تقريباً، فيهِ يرصد الشّاعر تجربتهُ مع النّزوح، بدايةً داخل بلدهِ، فقد تركَ مدينته حلب مِنطقةَ (هنانو) حاضِنةِ ذكرياتهِ، فيها بيتهُ ..مكتبتهُ ..أصدقاؤه ألعابُ طفلتِه ، ويمّم شطرَبادية الشّام.

في تلك الفترة، يُطلق الشّاعرعلى ابنته اسم نازحة أوّل مرّة، فيقول في قصيدة ٍعنوانُها (ميلاد)

لاتَحزَني ..

كونَ الحِصار اختارَ بُرجَكِ، / فانتميتِ إلى الشّعوبِ النّازحة، /

أشياؤكِ الصّغرى ، و وردٌ في الخَراب، /

قميصُ نومكِ، والدّمى، والرّائحة / كم كانَ ينقُصُني حضوركِ يا ابنتي،/ لتغيبَ ذاكرةُ الحروبِ الفادحة،/ .

 يغدو الزّمن ثقيلاً على الشّاعر وقتَ الحِصا، وكأنّه يراقبه من برجٍ عليٍّ، سمّاه برج الحصار، وتتشابه الأيام بأسمائها، ومضامينها فيسمّي بعضَ قصائدهِ ..الأحد.. الثّلاثاء..الجمعة .. العيد.. وما يجري في ساعاتها يُقلقُ كيانه، فيصوغه من قطراتِ روحه التّي تنزفُ وجعا ً

 

(الأحد )

ماذا سأكتبُ عن (هنانو) في غيابكِ  / قِطّة الجيران / منذُ الغارة الأولى استظلّتْ بالجّدار / جدارُ منزلنا / لكنْ لم تجدْ طفلاً يُشاكسها فغابتْ /

وابنةُ الجّيران / لم تجدْ من يعاكسِها فغابتْ /

والحمامةُ / عندما عادتْ ولمْ تجدْ الجِدارَ وعُشّها والبيض غابت /

وغابَ جيراني الفضوليّون ..

غابَ الطّيبون / جميعُهم حَملوا ضجيجَ صِغارهم عندَ الظهيرة وارتدوا جهةَ النّجاة

جميعُهم قالوا تَعبنا من حِصار الكهرباء .. من حصار الماء /

من عبءِ الرّجولةِ حينَ تكسرها شتائم حاجز التّفتيش

من نقصِ المؤونة والنِّساء وسائرالأشياء /

 

خريفُ الأوسمةِ:

الديوان الشّعريّ الثّاني حصل على جائزة الطّيب صالح للإبداع الأدبي عام 2015 في السودان .

يعدّه الشاعر فصلاً من تغريبة النازحين، في العناوين الفرعية تقرأ( قبضة من أثرهم، ومن  كتابِ الحربِ، وأخبارالملوك والرّسل وجمرالماء) .

تتسعُ في عيني الشّاعر دائرةُ النزوح، لتصل إلى الحدود والمخيّمات والدّول المُجاورة ، ينظر بعيونِ قلبه إلى الأطفال الذين ولدوا من رحم الحرب، شرّدتهم نارها غدوا وقوداً لها، تعرفهم الأرصفة، وتحفظُ صور وجوهَهم أبواب الخِيام، يرى في انهيار منظومةِ القِيم انهيارٌ للانسانيةِ جمعاء .. فيقول في قصيدة طِفل:

الكونُ أرخصُ من حذاءِ / حينَ يمشي حافياً طفلٌ بلا أمّ وأب /

طفلٌ يبولُ على أصابعه يدفّئها قليلا ً/ ريثما يجدِ الحَطب

طفلٌ / أقلّ من الأصابعِ شمعُهُ / لكنّ في عينيهِ عُمراً من التّعب /

وقارئ الديوان، لابدّ أن يتوقّف عند قصيدةٍ في غاية الأهميّة، إبداعياً وانسانياً وهي قصيدة (الأمّهات ) يُنصتُ فيها الشّاعرإلى نبضِ قلوب الأمّهات على ضفّتي نهرِ الدّم نهرِ الخوفِ والحرب إنّها الحقيقة الموجعة.

 

الأمّهات

في الضفتين الأمّهات / يشعلنَ شمعَ الأمنيات

يدعون للضّدين في حربِ الطّوائف بالنّجاة / وينسجنَ قفازينِ من دفءِ الدّعاء وقُبّعة / للذّاهبين من الجنودِ إلى ضفافِ الزوبعة /..ويقلن للجنرال :/ شعبكَ فرقتهُ الأقنعة /

 / في الضّفتين الأمهات /

 يرفعنَ أسوارَ الحياة / ويقلنَ للموتِ /انتظرْ/ حتى نُتِمّ الذّكريات /

 

كالصّدأ العنيد على الصّواري:

وهو الدّيوان الثّالث  صّدرعام 2018 في الجزائر 

فيه يحاول الشّاعر أن يجلو صوته بعد استراحة نازح، يجمعُ شتاتَ روحهِ، يفتح أبوابَ أسئلة الوجود على مصراعيها، يحاور الموجودات، يحاول إعادة تشكيلَ كينونةٍ نقيةٍ .

في الدّيوان ..اعترافات أولى، وعلى باب القيامة ، وبورتوريهات وصورٌ تذكاريّة مع بندقية ، وسِفر الخُروج، و من أوراق أبي الطّيب المتنبي، هي عناوين رئيسة بعض قصائدَها مُعنونة رقيماً.

في ِسفر الخروج والذي يعطيهِ الشاعرعنواناً جانبياً ( من بردى إلى الدّانوب )

يقول في إحدى قصائدهِ /أنا/ مصوراً مشهد عبور البحر

لاوقتَ عندي ، كي تعلّمني ركوبَ البَحر، / أعرفُ .. سيرةَ الغَرقى / وأرقامَ الطّوارئ  جيّداً /

لا وقتَ عندي، كي تبرهنَ لي مَهارةَ جدّك الصّياد/ أعرفُ ../ دهشةَ السّمكة / أنا.. / لا وقتَ عندي/ كي أقولَ لجدّك الصّياد ( خذْ رقمَ الطّوارئ)/ ربّما الّشبكة.. / غداً تَصطادُ جثّة نازحٍ سوريّ ..!/

 في قصيدة أخرى يصّورلنا، حالة الذين عَبروا البَحر ووصلوا شواطئ أوربا أو برّ النجاة فالأطفال والنساء يرتجفون من البرد على شواطئ جزر اليونان :

كنملٍ خبيرٍ بحمّى الفُصول/ يُشمسُ قمحَ المؤنة بعدَ المَطر..

تُشمّسُ أطفالها المتعبين / – على شاطئ البحر- أمٌّ / وتمسحُ عن خنجرِ الماء صرخةَ أطفالها في مهبّ الخَطر / خفافاً كما الأنبياء على الماءِ/ كان يهرول أطفالها بعدما.. / وتراً.. وترا ً مِخلبُ الموج قطّع غيتارها العائلي/ انكسر/

على شاطئ البَحر غرقى و(سيّاح ) يلتقطونَ الصّور !!

وإذا كانت سباقاتُ الألعاب الأولمبية تُدخل أبطالها التاريخ، فإن شعباً بأكملهِ يستحقّ هذهِ الجائزه في صبرهِ وجلدهِ  يقول الشاعر: 

لاوقتَ للدّمع/ الطريقُ قصيرةٌ /- أمّ تقولُ لطفلها الحافي- / بُنيّ../

/على حذاءٍ ضاع لايبكي الذي وطناً أضاعَ،/ وأهلهُ الغرقى../ على زبدِ الشّواطئ مثلَ أكياسِ القُمامة../

في هذه الساعات.. 

 شعبٌ كاملٌ يتسلّق (الأولمب) / بل .. شجرٌ نجا – للمرّة الخمسين – من أرضِ القيامة/

وبدهشةٍ مشحونةٍ بألمِ النزوّح والتّعب يجيب الشّاعر رجلَ الشّرطة.. الذي يفتّش حقيبته في صِربيا

/ من أينَ جئتَ ؟ وكيف ؟ – يسألني- / وماذا في الحقيبة ؟ / ربّما / أحتاج عمراً.. كي أُجيبكَ – قلتُ للشرطيّ- / من “بردى” إلى “الدّانوب” كلّ دقيقةٍ أبدُ تحتاجُ عُمراً..  /كي تفتّش ذكرياتِ النّازح السّوريّ / كلّ حقيبةٍ بلد…!/

 

يشتغل الشاعر في قصائده على تقنية الحَذف، والتّكثيف اللّغوي، فجرأةُ الحَذف عندهُ تُعادِل جُرأة الكتابة، لعلهُ استفادَ من تخصّصه في دراسةِ لغةِ المُحاسبةِ والأرقامِ، فالقصيدة بين يديه بناءٍ مِعماريّ رقميّ، واللفظة منتقاةٌ بعنايةِ وخبرة، فهي في سطرها الشّعري كيانٌ مُستقلّ من حيثُ المَبنى والمَعنى، تؤدّي دورها، تفتحُ نوافذَ لاحدودَ لها من المعنى والتأويلات .    

أمّا المُعجمُ اللّفظي عندهُ فيّتسمُ بالسّهولة، والقُربِ من البَساطة، اذ يبتعد عن الألفاظ الغريبة والتقعّراللغوي وكذلكَ الإسفاف، وهي ذات صِبغة يوميّةٍ مشحونة عاطفيّاً .

يستلهمُ الشّاعر في نصوصه التّراثَ العربيّ الشّعري والحكائيّ، اذ يعتبرهُ جِسراً للحداثة، على عكس مَنْ دعا إلى القَطيعةِ مع  التُراث بحجّة أنّه عبءٌ على الحداثة الشعرية، فنجد في قصائدهِ تلميحاتٍ لآياتٍ قرآنيّةٍ، وأقوال الخلفاء ولحكايةِ زرقاءِ اليمامةِ المَعروفةِ وسيرةِ يوسفَ عليهِ السّلام و المتنبّي وامرئ القيس و غيرهم من رموزِ التّراث العربي .

من جهةٍ أخرى يوهمك – فنياً-  أنّه يكتبُ نصّاً نثرياً، ولكنكَ عندما تقرأ بتمعّن، تجدُ أن الإيقاعَ الدّاخلي، و موسيقى التّفعيلة حاضرةٌ ، فهو يزاوجُ  بينَ النّثر الفنّي و شِعر التّفعيلة ، حتّى أنّ النّصوصَ النّثرية لديهِ لاتقلّ جماليّة عمّا هو موزون .

 

بقي أنْ نذكرَ أنّ هناكَ مشروعُ ترجمةٍ لقصائدِ الشّاعرإلى اللّغة الإسبانية والفرنسية، كما قامِ اتحاد كتاب هامبورغ مؤخراً بإصدار كتابٍ لعددٍ من الشّعراء الأجانبِ، نشرِ فيه عدداً من قصائدِ الشّاعر مُترجمةً إلى الّلغة الألمانية .

الكاتب Mudir

Mudir

مواضيع متعلقة