فلاسفة خالدون: سقراط

 

محمد صالح جاف ـ برلين

 

ان الطبيعة خير والمدينة شر وأن القانون هو من اختراع الأقوياء من الرجال ليقيدوا ويحكموا الضعفاء منهم   *جان جاك دوسو*

 

ان الفيلسوف الذي نما وترعرع افلاطون فلسفيا بين يديه وهو لم يكن وسيما فهو برأس أصلع ووجه كبير مستدير وأنف كبير عريض ولكن كان يملك شيئا من الدمائة واللطافة الانسانية والبساطة وكان برغم ذلك معلما شابا محبوبا من قبل الآخرين وكان لباسه دائما ثوبا مهلهلا ويسير على مهل في رواحه وغداواته ويجمع حوله الشباب والمتعلمين ويشجعهم أن يحددوا ويعرفوا كلامهم واجتماع هؤلاء حوله ساعدته في خلق فلسفة أوربية وكان من تلامذته بعض رجال الأعمال الأغنياء مثل “أفلاطون وأسيبارس” وكانوا يستمعون بتحليله ونقده وهجومه للنظام الديمقراطي في أثينا.

 

سقراط في نظر زوجته

لم يكن لسقراط أسلوب مميز في الحياة فأنه لم يعمل في حياته قط دون الاهتمام بما يخبأه الغد له وكان يأكل من موائد تلاميذه ومحبيه ولكنه لم يكن مرحبا به في بيته لأنه كان دائم الاهمال لزوجته وأولاده وكان كسولا وكانت زوجته تقول أنه لا يصلح لشيء يذكر في الحياة لأنه لم يوفر لمعيشة عائلته غير الخبز ولكن زوجته رغم ذلك تحبه كثيرا ولكنه كان مبجلا ومقدرا عند تلاميذه فأنه كان رجلا كما كان فيلسوفا وكان يشرب لاعتدال كانسان فاضل نبيل.

 

أحكم أهل اليونان

لقد كان هاويا للحكمة لا محترفا لها وقالوا فيه “إن صوت الرب قد أعلن أن سقراط أحكم أهل اليونان” وكان يقول “لا أعرف سوى شيء واحد وهو أنني لا أعرف وكان يقول أيضا “أن الفلسفة تبدأ عندما يبدأ الانسان بتعلم الشك وخصوصا في المعتقدات التي يحبها والعقائد التي يؤمن بها.

 

سقراط وعقل الانسان

إن الفلاسفة الذين سبقوا سقراط كانوا فلاسفة طبيعيين لأنهم بحثوا عن طبيعة الأشياء الخارجية عن قوانين وأصول العالم المادي وقال سقراط بأن هناك فلسفة أجدر بالفلاسفة أن يدرسوها أكثر من جميع هذه الأشجار والحجارة التي تملك الطبيعة وحتى أهم من جميع هذه النجوم والكواكب ألا وهي “عقل الإنسان وهكذا توجه إلى دراسة الروح الانسانية.

 

سقراط ونظرته إلى العدالة

فعندما كان الناس يتحدثون عن العدالة المتعارفة كان يسألهم بهدوء “ما هي العدالة وماذا تعنون بها وماذا تعنون بكلمة الشرف والفضيلة والأخلاق والوطنية”؟ وقد أحب سقراط في نفسه توجيه هذه الأسئلة الاخلاقية والنفسانية وقد اعترض البعض على طريقته هذه وقالوا ” أنه يسأل أكثر مما يجيب ويترك عقول مستمعيه أكثر اضطرابا مما كانت عليه قبل طرح السؤال والمحاورة والنقاش أو الحدث”.

 

الفضيلة وأفضل دولة

وقدم للفسلسفة جوابين ثابتين لسؤالين تناولا مشكلتين من أكثر المشاكل تعقيدات وهما ” ما معنى الفضيلة وما هي أفضل دولة”؟

والموضاعان المذكوران كانا أكثر أهمية وحيوية بالنسبة إلى الشباب حينذاك وأصبح من الآت أنه لا مانع من أن يسير الانسان على هواه ويفعل ما يطيب له ما دام ذلك يفعل من داخل حدود القانون. لقد أضعفت الروح الفردية الخلق الأثيني وتركت المدينة فريسة للإسبارطيين وسأل سقراط ” كيف السبيل إلى إيجاد قيم اخلاقية جديدة في أثينا وكيف يمكن انقاذ الدولة ؟ وبهذه الأسئلة دفعت أثينا إلى الحكم على سقراط بالموت متهمة إياه بالفساد الخلقي.

 

الإيمان بالله عند سقراط

قد كان لسقراط إيمانه الخاص بالله فإنه كان مؤمنا بإله واحد وآمن بأن الموت سوف لا يقضي عليه تماما وأن الشريعة الاخلاقية شريعة أبدية ولا يسيرها دين ضعيف كدين أهل أثينا في ذلك الوقت، فإذا كانت كلمة الخير على سبيل المثال تعني العاقل والفضيلة تعني الحكمة وقد يكون في الرجل الذكي العاقل نفس طابع العنف والبواعث والدوافع بطريقة أسهل وأفضل من الجاهل الغير متعلم ولا يكون شرسا كالوحوش كما يفعله الغير المنصاعين وإذا كانت الحكومة تحكم ولا تساعد وتأمر ولا تقود فكيف عليها اقناع الفرد بإطاعة القوانين ولا غرابة أن تعم الفوضى في البلاد التي يسودها الجهل.

 

إدارة الدولة عند سقراط

وقد ركز سقراط اهتمامه في كيفية ادارة الدولة وقال أنها مسألة صميمية تحتاج إلى أفكار أعظم العقول وأنضجها بل وأحسنها، والدولة الناجحة هي الدولة التي يديرها ويسيرها ويشرف عليها أحكم رجالها وأعقلهم وهو بذلك يدعو إلى السير حسب الانجيل الارستقراطي واشتعلت الثورة كما دعا إليها سقراط وحارب الرجال للثورة وعنها أيضا حتى الموت وفازت الديمقراطية وعكس ما يرغب ويدعو إليه سقراط ورأى “أنانيس ومليتس” زعماء الديمقراطية أنه من الأفضل أن يموت سقراط وعلى أثر ذلك حكم عليه بالموت بشرب كأس سم يعد لهذا الغرض.

 

أرسطو لا يطلب الرحمة

حكم عليه بالموت وقد سجل أفلاطون ذلك نثرا وهو أشد روعة وأفصح من الشعر حول اللحظات الأخيرة لحياة أو شهيد مؤمن بالله وبالفلسفة وحقوق الانسان وحرية الافكار وكرهه لتعد الاله وبحكم الدولة لا حكم أعقل الرجال وآمن بتبديل الفضائل القديمة بالذكاء والعقل ونبذه للخطباء الذين يضيعون أوقاتهم في خطب طويلة جوفاء ونبذ طابع العنف ونبذ كذلك تعدد الالهة وهكذا دنت ساعة تنفيذ الحكم به ورفض أن يطلب الرحمة من الجماهير التي احتقرها دائما وأراد القضاة إطلاق سراحه بينما صوتت الجماهير الغاضبة مطالبة بإعدامه لأنه أفسد الشباب فوق طاقتهم على التعلم وطلب منه أصدقائه عند حضورهم له في سجنه الموافقة على تدبير خطة هروبه لأنهم رشوا مشرفي السجن ولكنه رفض فقد بلغ السبعين من عمره في عام 399 ق م وقال لقد حان الوقت لي أن أفارق الحياة وقال لأصدقائه الحزينين افرحوا لأنكم توارون في التراب جسدي، خططي ومبادئ وإرشاداتي ستبقى حية مرفوعة الرأس وسيبقى اسمي خالدا في سجل الفلاسفة.

 

الساعات الأخيرة في حياته

يقول أفلاطون في ملحمته النثرية نهض سقراط ودخل غرفة الحمام مع كربتو السجان وانتظرناه في حزننا الكبير لأنه الأب الروحي لنا والذي سنفقده بعد قليل ونعيش بقية حياتنا يتامى لا أبا لنا ولا مرشدا، وخرج من الحمام وجلس هنا معنا مرة ثانية والصمت يسودنا جميعا ودخل السجان ووقف بجانبه قائلا عبارته المشهورة ” إليك يا سقراط يا أنبل وألطف وأفضل من جاءوا إلى هذا المكان فأنك لست كالسابقين من المحكومين الذين كانوا يثورون ويقضون ويسبون ويشتمون عندما أقدم لهم كأس السم، طاعة لأوامر السلطة وإنني على يقين بأنك سوف لا تغضب مني لأنني لست المذنب وأنت تعرف مأموريتي وأستودعك ثم انفجرت دموعه وأجابه سقراط” أقابل تحياتك الطيبة وسأفعل ما طلبت” ثم أدار وجهه إلينا وقال بخصوص هذا السجان يا له من رجل ساهر لطيف وهو يحضر لرؤيتي منذ جئت إلى هنا وأنتم تشاهدون حزنه علي.

 

سقراط يرتشف كأس المنايا

ثم طلب ارسطو من كريتو السجان أن يحضر له كأس السم اذا كان معدا، أو اطلب من الخادم اعداده فقال له كريتو” لا تتسرع حيث أن الشمس لا تزال فوق أعالي الهضاب” فأجابه سقراط ” لكني مصيب في التسرع وعدم التأخر وأعتقد بأن ذلك لن يجدي نفعا فقد انتهت لذلك أرجو أن تفعل ما أقول لك ولا ترفض قولي، ثم جاء الخادم مع السجان وهو يحمل كأس الموت وقال سقراط للسجان “أنت يا صديقي يا صاحب التجارب في هذه الأمور هل تدلني كيف أفعل وكيف أتقدم في شربه، أجابه السجان عند شربك للقدح عليك أن تمشي فقط إلى أن تشعر بثقل قدميك فتستلقي وبهذا يسري السم في جسدك، ثم تناول الكأس بأسهل وألطف طريقة وبدون خوف أو وجل أو تغيير في لونه أو قسمات وجهه… ثم رفع الكأس إلى شفتيه وارتشفه حتى الثمالة بهدوء تام وابتهاج. ويقول أفلاطون عندما شاهدناه يشرب وينتهي من شربه انهمرت الدموع مني على الرغم مني وغطيت وجهي وبكيت في مصيبتي لفقدي مثل هذا الصديق ولم يتمالك كريتو السجان وأجهش بالبكاء وابتعد وقد احتفظ سقراط بهدوئه ورباطة جأشه وقال” ما هذا الصراخ والبكاء والصخب فإني أبعدت النساء لكي لا أشعر بالإهانة…اهدءوا و اصبروا وخجلنا من أنفسنا.

 

اللحظات الأخيرة في حياته

ثم بدأ سقراط في المشي جيئة وذهابا إلى أن بدأت ساقاه تخونه ولا تقوى على حمله فاستلقى على ظهره والسجان ينظر إليه وإلى ساقيه وقدميه وبعد فترة جس قدمه بشدة وسأله ان كان يشعر فأجابه بالنفي واستمر يضغط على جسده أعلى فأعلى وأدرك أنه أصبح جامدا وقال “ستكون نهايته عندما يصل السم إلى القلب” وكشف أرسطو عن وجهه المغطى وقال “يا كريتو أنا مدين دينا إلى اسكيبوس ارجو سداد ديني هذا فقال كريتو سأفعل ما أمرت هل هناك شيء آخر، فلم يرد عليه ولم يسمع جوابا ثم سمعنا حركة وقام الخادم بتغطيته وقام كريتو بإغلاق عينيه وفمه.

ويقول أفلاطون في نثره بحقه “هكذا كانت نهاية صديقنا الذي أسميه بحق “أحكم وأعدل وأفضل جميع الرجال الذين عرفتهم في حياتي”.

وفي الصباح شيع وتبعه الفلاسفة وتلاميذه ومحبيه إلى مثواه الأخير وورى الثرى ليرقد رقدته الأبدية بجانب من سبقوه من الفلاسفة والعظماء والمتعلمين والجهلة وأصبح جزءا من التاريخ تاريخ الفلسفة والرجولة وعدم طلب الرحمة.

 

الكاتب Mudir

Mudir

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة