هل ماتت التعددية الثقافية في أوروبا؟

img

محمد وفيق

 

في عام 2010، أعلن زعماء كل من ألمانيا وبريطانيا وفرنسا عن فشل التعددية الثقافية في بلدانهم. ففي أكتوبر من تلك السنة، قالت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل إن «مفهوم التعددية الثقافية يمثل إخفاقاً، إخفاقاً تاما». وبعد أربعة أشهر، أيّد رئيس الوزراء البريطاني وقتئذ ديفيد كامرون مقاربتها، داعياً إلى «قدر أقل من التسامح السلبي الذي طبع السنوات الأخيرة وقدر أكبر من الليبرالية القوية والنشطة». وفي غضون أيام قليلة بعد ذلك، انضم الرئيس الفرنسي حينئذ نيكولا ساركوزي إلى الركب وقال على شاشة التلفزيون: «لقد انشغلنا كثيراً بهوية الوافدين الجدد، وليس بما يكفي بهوية البلد الذي يستقبلهم». وكان هذا التصريح الأخير مفاجئاً نوعاً ما، كما ترى المؤرخة الأميركية ريتا تشين في كتابها الصادر حديثاً «أزمة التعددية الثقافية في أوروبا»، وذلك على اعتبار أنه «على مدى عقود طويلة، كانت فرنسا ترفض صراحة قبول التعددية الثقافية كمبدأ موجِّه». الكتاب يشير إلى الأعمال الإرهابية الأخيرة التي ارتكبها متطرفون إسلاميون في باريس وبروكسيل وبرلين، لكنه يلفت النظر أيضاً إلى أنه أثناء الحملة الانتخابية الأخيرة في فرنسا، أغضب إيمانويل ماكرون منافسيه اليمينيين عندما اعتذر عن «جريمة» الكولونيالية الفرنسية في الجزائر، مشيراً إلى أن حكومته ستسعى إلى «المساعدة بخصوص اندماج المسلمين» في فرنسا.

 

غير أن «الاندماج»، بالطبع، قد يكون متعارضاً مع فكرة التعددية الثقافية. فـ«لجنة المواطنة» التي أنشأها جاك شيراك حين كان رئيساً لوزراء فرنسا في عام 1987 سعت إلى «الاندماج الوطني» للجزائرين ومهاجرين آخرين غير أوروبيين وفق نسقٍ تاريخي حُوِّلت من خلاله أقلياتٌ إقليمية مثل سكان منطقة بروتون وكورسيكا وجنوب فرنسا إلى مواطنين عصريين يتقاسمون خصائص مشتركة، أو مثلما سماها المؤرخ الأميركي «يوجين ويبر» تحويل «الفلاحين إلى رجال فرنسيين».

 

وكانت عملية «الإدماج» تلك تقوم في المقام الأول على «العلمانية» التي تحمل شحنة أيديولوجية قوية في فرنسا مقارنةً مع ما هو موجود في بلدان غربية أخرى. ومثلما تشرح تشين، فإن المفهوم الفرنسي للعلمانية ينطوي على فكرة الفصل بين الدولة والكنيسة كلياً، وهي فكرة لا تتوخى ضمان حماية معتقدات الأفراد الدينية (على غرار ما هو موجود في الولايات المتحدة) بقدر ما تتوخى تأمين «ولائهم الكامل للدولة من خلال كبح التحيز الديني». والحال أن الولاء الكامل يقتضي حظراً للرموز «الواضحة» للانتماءات الدينية، مثل الصلبان الكبيرة والكبة أو القبعة اليهودية، والأهم من ذلك كله حجاب النساء المسلمات. وفي معرض جردها للحجج المعقدة، والغريبة أحياناً، التي يُدفع بها فيما يتعلق بمسألة الحجاب المحظور على الفتيات في مدارس الدولة الفرنسية، تُظهر «تشين» كيف يميل المعلّقون الفرنسيون، سواء على اليمين أو اليسار، إلى النظر إلى الحجاب باعتباره رمزاً للقمع الباترياركي، متجاهلين أنه يمثّل بالنسبة لبعض من يرتدينه، على الأقل، رمزاً للعفة والإيمان والقوة.

 

وفي مقابل النموذج الفرنسي القائم على فكرة الإدماج، تبنّت بريطانيا وألمانيا مقاربات إيجابية للتعددية الثقافية، وهو اتجاه يبدو الآن آخذاً في التراجع. فبالنظر لوضعهم القانوني كرعايا من بلدان رابطة دول «الكومنويلث»، فإن معظم المهاجرين من المستعمرات البريطانية السابقة، الذين قدِموا إلى المملكة المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية، كانوا يتمتعون رسمياً بالحقوق نفسها التي يتمتع بها الآخرون، وهو عاملٌ تقول تشين إنه جعل «المهاجرين في بريطانيا أكثر جرأةً شيئاً ما في انتقاداتهم وأكثر نجاحاً في تحقيق مطالبهم» مقارنة مع نظرائهم في فرنسا وألمانيا، ما مكّنهم من تقلّد «دور أكثر تأثيراً في تحديد الطريقة التي يدار بها التنوع».

 

لكن نقطة التحول في هذا الخصوص جاءت مع «مسألة رشدي» في تسعينيات القرن الماضي. ذلك أن الاحتجاجات على مؤلِّف رواية «آيات شيطانية»، «غيّرت بشكل جذري» سياسةَ الهجرة في بريطانيا؛ حيث حوّلت تركيزَ الدعوات إلى إدماجٍ أكبر من القادمين من أفريقيا والكاريبي إلى المسلمين الآسيويين، الذين «اتُّهموا بإدخال الأصولية الدينية والعنف الديني إلى مجتمع ليبرالي متسامح». وتشير تشين إلى أنه من خلال إعادة إطلاق النقاش حول الهجرة وعلاقتها مع «القيم الليبرالية»، وضع المعلِّقون البريطانيون منتقدي رشدي من المهاجرين خارج حدود «الإجماع الثقافي البريطاني».

 

لكن هل ماتت التعددية الثقافية حقاً أم أن نعيها سابق للأوان؟ الواقع أن بحث تشين للهجرة غير الغربية إلى بلدان غربية متقدمة منذ الحرب العالمية الثانية، وتركيزها بشكل رئيسي على بريطانيا وفرنسا وألمانيا مع إطلالات سريعة على سويسرا وهولندا.. يبدو ناجحاً وموفقاً بشكل عام، لاسيما لجهة تحديده إطاراً لنقاش هادئ ورصين. أما الخلاصة التي تخلص إليها مؤلفة الكتاب، فهي أنه «من منظور تاريخي، يبدو واضحاً أننا في حاجة للحفاظ على كل من التصورات الليبرالية للحرية الفردية والتعددية المجتمعية»، حيث يلعب كل واحد منهما دورَ كابحٍ للآخر.

 

 

الكتاب: أزمة التعددية الثقافية في أوروبا

المؤلفة: ريتا تشين

الناشر: برينستون يونيفرستي برِس

تاريخ النشر: 2017

الكاتب Mudir

Mudir

مواضيع متعلقة

اترك رداً

*