اللاجئون .. محور سياسة هذا الزمان

د/ أمير حمد

ها هي ألمانيا في الوقت الراهن محك صراعات سياسية داخلية بصعود نسبة حزب AFD الرافض للاجئين من جانب، ومن جانب أخر مهددة برفع الضرائب على صادراتها، لاسيما السيارات من قبل ترامب.

من المعلوم بأن صادرات السيارات تمثل 20% من صادرات ألمانيا، الأمر الذي سيضعف نموها الاقتصادي ان فُرضت بالفعل ضرائب عليها كما فعل ترامب مع الصين. هذا كما أن خروج انجلترا من الرابطة بدون اتفاق سيهدد اقتصاد الشركات الألمانية، لاسيما الوسطى منها الناشطة في انجلترا والمتعاقدة معها. 

نقرأ في هذا المقال التطورات الراهنة في ألمانيا، لاسيما المعنية باللاجئين لتخفيف الوطأة عنهم بعد أن عُزل سلفيني وزير داخلية ايطاليا الراديكالي من منصبه اثر تكوين حكومة ائتلاف جديدة في ايطاليا.

لم يكن مفاجئ الفوز الساحق لحزب AFD المتطرف في انتخابات ولايتي ساكن وبراندنبورج البرلمانية، اذ احتل هذا الحزب المنصب الثاني بعد الحزبين الكبيرين الحاكمين CDU و SPD . جاء هذا الفوز بنسبة 25% كأعلى نسبة يحصل عليها حزب شعبوي يميني، اذ فاقت نسبة فوزه في الانتخابات الأوروبية البرلمانية. يرى أكثر من محلل سياسي مثل “فون ديرلوكة” بأن اسباب نجاح هذا الحزب تمركزت في الحملة الشعواء ضد اللاجئين ومناهضة حرية الأديان “الإسلام” خيفة أسلمة أوروبا وتغيير هويتها المسيحية. هذا كما أن فوز هذا الحزب جاء مرتبطا بالحفاظ على مناجم الفحم في شرق ألمانيا حتى لا تتفشى البطالة أكثر لأن شريحة كبرى من مواطني شرق ألمانيا عمال مناجم، وإلى جانب هذا وسّع الحزب دعايته المبهمة بفشل الحزبين الرئيسيين وضرورة العودة إلى مكاسب ما قبل اتحاد الألمانيتين، وأوهم ـ مجدداـ مواطني شرق ألمانيا بأنهم يعاملون كطبقة ثالثة بعد الأجانب واللاجئين.

إن المعضلة الآن ليست هذه الاتهامات الكاذبة والشعارات المزيفة التي أذاعها هذا الحزب، وإنما كيفية إيجاد تحالف ثلاثي مع حزب الخضر بعد أن خسر الحزبين الكبيرين نسبة عالية كالسابق تؤهلهما للحكم الانفرادي أو الثنائي.

يقول متحدث حزب الخضر بأن حزبه الحاصل على نسبة لا تتجاوز 10% في الولايتين لن يقبل التحالف الثلاثي إلا بالموافقة على متطلباته مرشحيه، علما بأن رئيس وزراء ولاية ساكسن كان وقد رفض قبل الانتخابات الاشتراك مع حزب الخضر في تحالف!

ويقول بأن أولوية مطالبه تكمن في ايقاف المناجم لتوليد الطاقة واستبدالها بالطاقة البديلة وحماية اللاجئين من الحملات العشوائية وممارسة العنف ضدهم، وألا تهدد أو تمس حرية الأديان، وهي مطالب يوافق على غالبيتها الحزب الاشتراكي والمسيحي كذلك.

وقالت صحيفة “دي فيلت” بأن شرق ألمانيا يعاني من زيادة نسبة كبار السن ونقص نسبة المواليد، هذا إلى جانب هجرة معظم الشباب إلى الغرب الألماني للحصول على عمل.

يقول رئيس وزراء ولاية ساكسن بأن أولوية عمله بعد فوزه في الانتخابات هي التصدي لهذه المشاكل وتعمير الأرياف والمناطق النائية والربط القوي والسريع لشبكات الانترنت.

وكما جدرت الاشارة سابقا فإن شرق ألمانيا ـ الذي تحاول ميركل الشرقية الأصل ـ اخراجه من التأخر الاقتصادي وإلحاقه بغرب ألمانيا ـ لا يزال يعاني من العداء للاجئين بل والأجانب بشكل عام، مما حرك متحدث الغرفة التجارية الألمانية لأن يحذر من عدم رغبة الشركات الأجنبية الضخمة للعمل في شرق ألمانيا جراء العداء للأجانب.

ليس غريبا ان حقق حزب AFD نجاحا واسعا في شرق ألمانيا وقد خطط خارطة العداء للاجئين وتربص بأخطائهم ليؤكد بشاعة القادمين أو الغزاة الجدد!!

كان وقد حذر رئيس الرابطة الاسلامية بألمانيا من خطورة الادلاء بأصوات لحزب AFD منوها إلى أنه حزب لا يعترف بالإسلام ويعتبره مجرد ايدلوجية شكلها الرسول من الانجيل القديم والتوراة وما توارد من أخبار التاريخ القديم.

نقول هذا ونذكر بأن حزب AFD مرفوض كذلك من الجالية اليهود في ألمانيا، اذ يعتبرونه امتدادً للنازية الداعية لوأد اليهود والاستيلاء على ممتلكاتهم كما فعل هتلر سابقا.

كان وقد طالب رئيس حزب AFD بالطعن في انتخابات ولاية ساكسن لعدم اعتراف المحكمة بكل خانات مرشحيه في البرلمان مما قلل من نسبة فوزه في هذه الولاية. يقول أن حزبه حزب ديمقراطي اختاره الشعب الألماني بنسبة عالية وإن رفض تشكيل ائتلاف مع حزبه يعد خروجا على الديمقراطية بعدم اعتراف الأحزاب الحاكمة بأصوات مرشحيه الكبيرة، وأكمل .. نأتي في شرق ألمانيا بالمرتبة الثانية بعد حزب CDU الحاكم. 

ردت “كارنباور” رئيسة حزب CDU قائلة بأن حزب AFD يضم أصوات وبرامج نازية تدعو إلى تقسيم ألمانيا بدءً بطرد اللاجئين وتفضيل الألمان على بقية المواطنين، كما أن حزبه يحرض على العداء ضد السامية وكُره الأجانب ويقف في وجه دخول المستثمرين وشركاتهم الضخمة جراء سياسة انغلاقه وعدم اعترافه بالرابطة الأوروبية بشكل واضح. هذا كما أن حزب AFD في شرق ألمانيا يدعو إلى استمرار مناجم الفحم ويقف ضد استيراد الطاقة البديلة من خارج ألمانيا نقيضا لسياسة حزبي CDU و SPD.

ويقول متحدث الحزب الاشتراكي بأن حزبه يخطط ويعمل على الحد من رفع الايجارات مثلا وبناء آلاف المساكن الاجتماعية فيما يقف حزب AFD كحزب رأسمالي ضد هذه السياسية الاجتماعية.

مشكلة اللاجئين في كل مكان

كان وقد صرحت “فون ديرلاين” ـ رئيسة الرابطة الأوروبية الجديدة ووزيرة الدفاع الألمانية السابقة ـ بأنه من الضروري بمكان تعديل اتفاقية دبلن الخاصة باللاجئين حتى يخف وطأة تواجدهم بكثافة في دول جنوب أوروبا ..

يقول باحث سياسي في اذاعة فنك بأن أزمة اللاجئين أصبحت محورا للرابطة الأوروبية وليس ألمانيا وحدها التي تجابه هذه الأزمة. اليونان مثلا لم يكف عن استقبال اللاجئين، ففي الشهر الماضي اكتظ معسكر لاجئين في جزيرة ليبوس اليونانية  بحوالي  100 الف لاجئ، علما بأن سعة هذا المعسكر لا تتجاوز30 ألفا ، مما أدى إلى اندلاع اشتباكات بين اللاجئين المضغوطين من ضيق المكان ورجال الشرطة اليونانية وحراس المعسكر.

لم تقف الرابطة مكتوفة الأيدي اذ سرعان ما طالبت تركيا بإرجاع هؤلاء اللاجئين إليها استنادا إلى اتفاقية اللاجئين المنعقدة بينهما.

من جانب آخر حذر اردوغان الرابطة الأوروبية بفتح حدود تركيا للاجئين ليغادروها إلى أوروبا، إن لم تساعد الرابطة تركيا ماديا لتوطين مليون لاجئ سوري في المنطقة الآمنة المزعومة، من المعلوم أن تعداد اللاجئين السوريين في تركيا بلغ 3.6 مليون لاجئ اثر الاتفاقية المبرمة بين الرابطة وتركيا لاستقطاب لاجئين سوريا وإرجاع لاجئي أوروبا الجدد إليها. نصت الاتفاقية على منح تركيا 6 مليار يورو مقابل استقطابهم للاجئين وقد تم دفع 5,6 مليار إلى تركيا.

نذكر هنا بما قاله الرئيس الألماني الأسبق ” هورست كولر، 2004-2010″ الذي دعا لدعم الاتفاقية المبرمة مع افريقيا التي اعتبرها القارة الأخيرة المنقذة للعالم بثرواتها من الخام وطبيعتها، وفوق كل شيء تعدد وتاريخ ثقافاتها وشعوبها.

قال كولر ـ المصرفي المتميز والذي احتل منصب رئيس صندوق النقد الدولي ـ بأن معاونة افريقيا واحتواء مواطنيها في أوروبا لتعليمهم وتدريبهم مهنيا سيعود على افريقيا وأوروبا معا بل والعالم كله بثراء واضح وملموس. يقول هذا لربطه بدراسة أخيرة من جامعة فلدزهايم عن ثراء افريقيا الثقافي ووضع اللاجئين فيها.

يقول نص من الدراسة التي أذيع جزءا منها بأن 1,8 مليون لاجئ شردهم تنظيم “بوكو حرام” المتطرف وأن 50 الف منهم يعيشون في شمال شرق نيجيريا لا يودون الرجوع إلى قراهم ومواطنهم لخوفهم الشديد من الوقوع مرة أخرى في فخ هذا التنظيم الارهابي، الذي اختطفوا الفتيات واغتصب واكره على الزواج ومنع من ارتياد المدارس ودرب الفتيان على القتل العشوائي لنشر اسلام متطرف.

وكان وقد حذر كوله رئيس ألمانيا سابقا من التنافس الحاد بين الصين وفرنسا على موارد افريقيا ودعا إلى احتواء افريقيا ثقافيا ودعمها مقابل جلب مواردها الطبيعية حتى يتحقق مبدأ المساواة والاقتصاد المتوازن وليس الهلع الاستعماري وتركها للحروب والفقر والتشرد والأمية والبطالة مدعاة الهجرة وطلب اللجوء في أوروبا.

وقالت ميركل في لقائها الأخير مع قادة أفريقيا في برلين بأن افريقيا أحوج ما يكون لطاقة شبابها ولاستثمار الدعم المقدم لها. في مشاريع تنموية ناجحة ودعم التعليم والتدريب المهني والاتصالات الالكترونية وليس تبذير الأموال واختلاسها من شعوبها المعهودة. كررت وأكدت ميركل حديثها هذا بعد زيارتها للنيجر وغرب افريقيا لإيقاف الهجرة السرية ودعم صندوق تنمية افريقيا.

يجد المتابع للسياسة الأوروبية الخاصة باللاجئين تضخم الأحزاب المناوئة لهم تحت شعار حماية أوروبا وشعوبها من الأجانب والإرهاب كما فعل حزب AFD في كل انتخاباته. غضب متحدث حزب الخضر على تضخم هذا الحزب بأنه أعاد ألمانيا إلى عهد المظاهرات والأحزاب اليسارية الواقفة مع الأجانب ومناهضة الفكر الاستعماري ومشاركة كبار الكتاب فيها مثل هاينريش بول و غونتر غراس الحاصلين على جائزة نوبل العالمية للأدب. يقول أن رأس الأفعى للتطرف السياسي وهضم حقوق الأقليات واللاجئين هو دونالد ترامب الذي يشيد الجدران في وجه اللاجئين ويوسمهم كمرض وداء جسيم يجب القضاء عليه قبل أن ينتشر.

إننا أمام خطر بزعامة العنصري ترامب، الذي يشجع القوميات ويطرد اللاجئين ويوقف هجرتهم ويغلق الموانئ أمام سفنهم ويصادرها.

محاور

عرفت أنجيلا ميركل بنشاطها ومقدرتها على الادارة السياسية وصبرها، مما أهلها لأن تصبح السيدة الأولى في العالم وفق الاعلام الأمريكي، لاسيما بعد أن هاجمها ترامب كثيرا في بداية حكمه ومن ثم انتفض عليها ليعتبرها رمز للانتهازية الألمانية المعتمدة على العون الأمريكي والدفاع بلا حدود عن ألمانيا دون مقابل يذكر منها.

لم تعد تهم وتهدد انتقادات ترامب سياسة ألمانيا والرابطة الأوروبية، لأنه رجل اقتصاد وليس سياسي ألمعي متقلب المزاج، لم يدرك مغبة الحرب الاقتصادية التي بدأها مع الصين فأضعفت القوة الشرائية في أمريكا وهددت اقتصاد الدول المصدرة العظمى كألمانيا.

ترامب يرفع الضرائب على الواردات إلى أمريكا… ترامب يشيد جدارا حدوديا لإيقاف تسرب اللاجئين … ترامب يستعد لانتخابات الدورة الثانية رغم ضعف وتصدع الحزب الديمقراطي المعارض … ترامب يهدد جادا بسحب القوات الأمريكية في ألمانيا ليحولها إلى بولندا لدفعها 2% من ميزانية الدولة … ترامب يهدد إيران …

رغم كل تقلبات ترامب شغلت الساحة الألمانية في الوقت الراهن قضايا كثيرة، كرحلة ميركل الثانية عشر إلى الصين وأزمة هونج كونج وتبادل السجناء بين روسيا وأكرانيا وأزمة البيئة وكيفية الحفاظ على نقائها بحظر أكياس البلاستيك وأخيرا قضية اللاجئين التي نحن بصددها محور انتخابات ولايتي ساكسن وبراندنبورج وكل ألمانيا والرابطة بشكل عام.

قال محلل سياسي انجليزي أن أزمة اللاجئين ومساعي خروج انجلترا من الرابطة الأوروبية سينطفئ وهيجها قريبا كرواية بوريس جونسون رئيس وزراء انجلترا التي كتبها قبل 15 عاما ويعود الاتحاد الاوروبي كقوة وتحدي موحد في وجه الأحزاب الراديكالية والحرب الاقتصادية الامريكية وتحرشات روسيا.

في لقاء مع الاعلامي الشهير أولرش فيكرت ـ المذيع في القناة الألمانية الأولى ـ قال بأن ماكرون رئيس فرنسا يحاول ابراز دور فرنسا كقوة عسكرية ورائدة بتوسطه لحل أزمة الملف النووي الايراني وإنقاذ الغابات الاستوائية في البرازيل، فيما تركض ميركل لإبرام العديد من الصفقات التجارية مع الصين وتولي ملف قضية اللاجئين الاهتمام. وتحدث فيكرت عن مفهوم من هو الألماني والهوية وتبني الأحزاب الراديكالية مثل حزب الهوية الألمانية كانتماء عرقي وليست هوية مكتسبة بالتجنس وإجادة اللغة الألمانية.

هذه قضية أساسية ناقشها حزب الخضر أكثر من مرة وكذلك اليسار في معظم الانتخابات البرلمانية لسحب الأصوات من الأحزب الشعبوية.

.