هل بريطانيا في خطر بعد الخروج ؟

img

 

عاطف عبد العظيم

 

شكل خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي «بريكست» أخطر المشاكل الدستورية والسياسية التي واجهتها بريطانيا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. ومع ذلك يمكن استبعاد التنبؤات الأكثر وضوحًا حول نتائجها. وحتى إذا رفض البرلمان اتفاق الخروج من الاتحاد الأوروبي، فلن يكون هناك تخزين للأغذية والأدوية الحيوية. لن يكون هناك طوابير تمتد 20 ميلًا من الشاحنات في دوفر وفولكستون. ولن تنهار المملكة المتحدة. في الواقع سواء كان هناك اتفاق أم لا فإن «بريكست» يجعل احتمال استقلال اسكتلندا أقل ترجيحًا؛ وذلك بحسب ما ذكره فيرنون بوجدانور، الأستاذ في جامعة كينجز كوليدج في لندن، في مقال نشرته مجلة «فورين بوليسي» الأمريكية.
وفقًا للكاتب، فقد اختار غالبية الناخبين في اسكتلندا، مثل أيرلندا الشمالية، البقاء في الاتحاد الأوروبي في استفتاء «بريكست» عام 2016. يقول القوميون الاسكتلنديون: إن دولة اسكتلندية مستقلة ستسعى للبقاء في الاتحاد الأوروبي في حال مغادرة المملكة المتحدة، ولكن يجب أن تنضم مرة أخرى بحسب المادة 49 من معاهدة لشبونة، التي تحدد شروط الأهلية للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. إذا قاد خروج بريطانيا في نهاية المطاف – كما هو مرجح – إلى لوائح مختلفة في بريطانيا عن تلك الموجودة في الاتحاد الأوروبي، فإن دولة اسكتلندية مستقلة في الاتحاد الأوروبي سوف تواجه حواجز غير جمركية خطيرة مع إنجلترا، التي تعتبر أكبر سوق لها.
إذا سعت اسكتلندا للاحتفاظ بالجنيه الإسترليني، فسوف يتم تحديد سياستها النقدية في لندن، وليس في أدنبره. علاوة على ذلك، فمن المحتمل ألا تُمنح اسكتلندا حصتها التناسبية من تخفيض ميزانية المملكة المتحدة التي تم التفاوض عليها، بصعوبة بالغة من قبل رئيسة الوزراء آنذاك، مارجريت تاتشر، في عام 1984.
علاوة على ذلك، قد يكون من الضروري قانونًا لدولة اسكتلندية مستقلة بحسب المادة 49، كالدول الأعضاء الجديدة، أن تنضم إلى منطقة اليورو. إذا كان الأمر كذلك، فسيتعين عليها الامتثال لمعايير ميزانية ماستريخت، التي تتطلب من الدول الأعضاء تخفيض عجز ميزانيتها إلى ما لا يزيد عن 3% من الناتج المحلي الإجمالي. يبلغ العجز الحالي في ميزانية اسكتلندا حاليًا أقل بقليل من 8% من الناتج المحلي الإجمالي. وستجد نفسها في وضع مماثل للأعضاء المتوسطيين في منطقة اليورو، مثل اليونان وإسبانيا، الذين كانوا مطالبين بتنفيذ سياسات تقشف صارمة، وخفض الإنفاق العام وزيادة الضرائب.

هل تغادر أيرلندا الشمالية؟
وبالنظر إلى هذه القيود المحتملة على السياسة النقدية والمالية في اسكتلندا، فإنه من غير المفاجئ أن نيكولا ستورجيون، زعيمة الحزب الوطني الاسكتلندي، لم تكرر دعوتها لإجراء استفتاء ثان حول الاستقلال.
ستكون التأثيرات على السياسة البريطانية جدية ودائمة. لقد دمرت أوروبا خمسة من رؤساء الوزراء المحافظين الستة الأخيرين – هارولد ماكميلان، إدوارد هيث، مارغريت تاتشر، جون ميجور، وديفيد كاميرون. كما يمكن أن تدمر تيريزا ماي، التي تعتمد على أغلبيتها في الحزب الوحدوي الديمقراطي الأيرلندي الشمالي، وتواجه تمردًا متزايدًا داخل حزبها المحافظ، وهي المعارضة التي قد تؤدي إلى تحدي القيادة.
لكن كل من المحافظين ومعارضة حزب العمال ينقسمان بشدة حول خروج بريطانيا بين مؤيدي ما يطلق عليهم «سوفت بريكسترز»، الذين يسعون إلى تكرار الكثير من ترتيبات الاتحاد الأوروبي بقدر ما يستطيعون مقابل التجارة الخالية من الاحتكاك، و«هارد بريكسترز»، الذين يريدون أن يتحرروا تمامًا من الاتحاد الأوروبي.
هناك عدد قليل من أعضاء البرلمان المحافظين وعدد أكبر من أعضاء حزب العمل الذين يفضلون إجراء استفتاء ثان لمعرفة ما إذا كان لا يزال هناك أغلبية لصالح ترك الاتحاد الأوروبي.

طرح الثقة في رئيسة الوزراء
ونظرًا لتنوع الرأي والانقسامات مع الحزب الحاكم، سيكون هناك بعض الشك فيما إذا كان اتفاق الخروج الذي تفاوضت عليه الحكومة يمكنه أن يحصل على الأغلبية اللازمة في مجلس العموم. ومع ذلك، إذا تم هزيمة الحكومة في مجلس العموم، فإن ذلك لن يعني بالضرورة إجراء انتخابات عامة أخرى.
تطلب مثل هذا التصويت على الثقة داخل الحزب 15% من أعضاء مجلس النواب المحافظين – الذين يبلغ عددهم حاليًا 48 نائبًا – أن يكتبوا إلى رئيس اللجنة الاستشارية للمحافظين، والمعروفين باسم لجنة 1922. إذا أرادت ماي الاستمرار في مواجهة مثل هذا التحدي، فعليها أن تقدم نفسها للتصويت من قبل نوابها. بطريقة أو بأخرى، فإن عدم قدرة الحكومة على الحصول على موافقة برلمانية على الاتفاق ستعني بكل تأكيد رئيس وزراء جديد.
ومع ذلك، فإن وجود رئيس وزراء جديد سيحل مشكلة صغيرة. رئيس الوزراء الجديد سيواجه مجلس عموم غير متوافق. كلما اقترب موعد الخروج من الاتحاد الأوروبي في شهر مارس (أذار)، أصبح موقف بريطانيا الأضعف في المفاوضات.
من الواضح أن القضية الأوروبية كانت لها عواقب زلزالية على السياسة البريطانية منذ فترة بعيدة. في عام 1950، حذر وزير الخارجية إرنست بيفين من انضمام بريطانيا إلى المجلس الأوروبي.
يبقى الهيكل الدستوري والسياسي لبريطانيا قويً، كما أن الحزب الشعبوي، حزب استقلال المملكة المتحدة، قد أُضعف بشكل كبير وفشل منذ أن حقق وجوده بالفوز باستفتاء خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي في عام 2016. إنه مجرد ظل للحركات الشعبية الأكثر شذوذًا في القارة.

ونشر الاتحاد الأوروبي مسودة اتفاق بريكست المكونة من 585 صفحة والهادفة إلى ضمان انسحاب بريطانيا من التكتل بشكل منظم في مارس/آذار المقبل وتحديد أطر فترة انتقالية للجانبين للتكيف مع الانفصال.
وتهدف البنود الرئيسية في الاتفاق إلى تجنب انفصال تام بين إيرلندا العضوة في الاتحاد الأوروبي، ومقاطعة إيرلندا الشمالية، وحماية حقوق المواطنين وتسديد الفاتورة النهائية لخروج بريطانيا.
وثبت أن المسألة الإيرلندية كانت العقبة الأساسية خلال 17 شهرا من المحادثات المكثفة والمفاوضات الشائكة وسط قلق من أن تتسبب عودة الحدود الفعلية في زعزعة عملية السلام.

وفي ما يلي النقاط الرئيسية التي نص عليها الاتفاق:

شبكة أمان إيرلندية
يحدد الاتفاق أطر ترتيبات “لشبكة أمان” لمنع عودة النقاط الحدودية بين إيرلندا الشمالية وجمهورية إيرلندا إن فشل الطرفان في التوصل لاتفاق بشأن التبادل التجاري الحر بعد فترة انتقالية مدتها 21 شهرا.
وفي مسعى لتبديد قلق بريطانيا إزاء انفصال إيرلندا الشمالية عن باقي بريطانيا وافق الطرفان على إقامة منطقة جمركية موحدة بين الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة، وبناء على ذلك ستطبق إيرلندا الشمالية قواعد السوق الأوروبية الموحدة فيما يتعلق بحركة جميع البضائع بما فيها الزراعية.
ومع تطبيق بريطانيا القانون الجمركي الأوروبي في إيرلندا الشمالية سيصبح بإمكان الشركات التجارية الإيرلندية الشمالية جلب البضائع إلى السوق الموحدة دون قيود.
وتنص المسودة كذلك على محافظة اقتصاد إيرلندا الشمالية على قدرته في الوصول دون عوائق إلى باقي أنحاء بريطانيا.
وبطلب من لندن ستطبق إيرلندا الشمالية جميع قواعد السوق الموحدة في ما يتعلق بالكهرباء.
وفي المنطقة الجمركية البريطانية-الأوروبية الموحدة ستصل البضائع البريطانية دون رسوم أو حصص محددة إلى باقي دول الاتحاد الأوروبي الـ27.
ولضمان تنافسية عادلة للسلع المصنعة وضعت بنود تتعلق بالمساعدات الرسمية والمنافسة والضرائب والمعايير الاجتماعية والبيئية.
وأعرب دبلوماسيو الاتحاد الأوروبي عن قلقهم من احتمال تصنيع الشركات البريطانية المنتجات بتكاليف أقل إذا تم التخلي عن معايير الاتحاد الأوروبي.
وحدد الطرفان مهلة أقصاها 1 يوليو/تموز 2020 لوضع أطر اتفاق بديل لـ”شبكة الأمان”، وإن لم ينته إعداد اتفاق بحلول هذا التاريخ فسيكون من الممكن تمديد الفترة الانتقالية.
وبإمكان أي من الطرفين إعلان أن الترتيب لم يعد ضروريا في أي مرحلة بعد الفترة الانتقالية، لكن عليهما اتخاذ هذا القرار بشكل مشترك.

الفترة الانتقالية
خلال الفترة الانتقالية التي تنتهي في 31 ديسمبر/كانون الأول 2020 ستطبق قوانين الاتحاد الأوروبي لمنح الإدارات الوطنية والمؤسسات والشركات التجارية الوقت الكافي للاستعداد لارتباطات جديدة. ويعني ذلك أن بريطانيا ستواصل المشاركة في الاتحاد الجمركي الأوروبي والسوق الموحدة. ويسمح ذلك لبريطانيا بالوصول إلى أسواق باقي دول الاتحاد الأوروبي مع مراعاة قواعد حرية حركة البضائع ورؤوس الأموال والخدمات والعمالة.
وستفقد الحكومة البريطانية الحق في التصويت على أي قرارات تتخذها باقي الدول الأعضاء في التكتل والمفوضية والبرلمان الأوروبيين.

حقوق المواطنين
وتحافظ مسودة الاتفاق على حقوق أكثر من ثلاثة ملايين مواطن من الاتحاد الأوروبي يعيشون في بريطانيا ومليون بريطاني يقيمون في الاتحاد الأوروبي. وبإمكان مواطني الاتحاد الأوروبي وبريطانيا وأفراد عائلاتهم مواصلة العيش والعمل أو الدراسة متمتعين بمعاملة متساوية مع مواطني الدول المضيفة في ظل قوانين الدول المعنية.
وتغطي مسودة الاتفاق جميع المواطنين الذين يصلون قبل انتهاء الفترة الانتقالية، حيث سيحتفظون بحقهم في الحصول على الرعاية الصحية ورواتب التقاعد وغيرها من ميزات الضمان الاجتماعي.

فاتورة بريكست
وتدعو المسودة التي تغطي مسألة التزامات بريطانيا المالية المستحقة للتكتل إلى تسوية عادلة بالنسبة لدافعي الضرائب البريطانيين التي تقدرها الحكومة البريطانية بنحو 39 مليار جنيه إسترليني (51 مليار دولار).

فض النزاعات
ستتشاور لجنة مشتركة للنظر في النزاعات بين الشركات التجارية أو غيرها من الكيانات، وفي حال عدم التوصل إلى حل يتفق عليه الطرفان فستحل هيئة تحكيم مستقلة الخلاف.

جبل طارق
في ظل المطالبات الإسبانية القديمة بمنطقة جبل طارق البريطانية المجاورة والمطلة على المتوسط سعت جميع الأطراف إلى تجنب أي توترات مستقبلية.
وينص الاتفاق على التعاون بين بريطانيا وإسبانيا بشأن مسائل، بينها حقوق المواطنين والتبغ وغيرها من المنتجات، إلى جانب البيئة والشرطة والشؤون المرتبطة بالجمارك.
وتحدد المسودة أسس التعاون الإداري لتحقيق الشفافية الكاملة في الشؤون الضريبية ومكافحة التزوير والتهريب وغسيل الأموال.

القواعد البريطانية في قبرص
يهدف الاتفاق إلى ضمان عدم حصول أي اضطراب أو خسارة في حقوق 11 ألف مدني قبرصي يعيشون ويعملون في مناطق القواعد العسكرية السيادية البريطانية. ويهدف أيضا إلى ضمان استمرار تطبيق قوانين الاتحاد الأوروبي في مناطق القواعد، بما في ذلك تلك المتعلقة بالضرائب والبضائع والزراعة والثروة السمكية والقواعد المتعلقة بصحة النباتات والحيوانات.

بنود أخرى
وتتطرق مسودة الاتفاق إلى انسحاب بريطانيا من “المجموعة الأوروبية للطاقة الذرية (يوراتوم)”، ومعاهدة الاتحاد الأوروبي بشأن الطاقة النووية، إلى جانب حماية حقوق الملكية الفكرية بما في ذلك العلامات التجارية وأكثر من ثلاثة آلاف من المؤشرات الجغرافية التابعة للاتحاد الأوروبي. وتغطي هذه المؤشرات علامات تجارية إقليمية على غرار لحم خروف ويلز، ولحم خنزير بارما، والشامبانيا، وجبنة فيتا، ونبيذ توكاج وغيرها، وهي جميعها منتجات تحمل أسماء مناطق.

العلاقات المستقبلية
وبمعزل عن اتفاق الانسحاب لا يزال على الطرفين التفاوض على شكل علاقتهما المستقبلية، خصوصا في ما يتعلق بالتجارة.

الكاتب Mudir

Mudir

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة